تسابق ألمانيا والهند الزمن لوضع اللمسات الأخيرة على صفقة دفاعية ضخمة تهدف إلى إنتاج غواصات متطورة بقيمة تصل إلى 8 مليارات دولار، في خطوة تُعد الأكبر من نوعها لنيودلهي في مجال المشتريات الدفاعية البحرية. ونقلت تقارير إعلامية عالمية، أبرزها وكالة "بلومبرغ"، عن مسؤولين مطلعين أن المفاوضات بين البلدين قد وصلت إلى مراحل متقدمة جداً، حيث تتضمن الاتفاقية بنداً حيوياً يتعلق بنقل تكنولوجيا التصنيع العسكري إلى الهند.
تقنيات متطورة لتعزيز السيادة البحرية
وفقاً للتفاصيل المسربة، فإن الغواصات الجديدة ستكون مجهزة بنظام "الدفع المستقل عن الهواء" (AIP)، وهي تقنية ثورية تمنح الغواصات التقليدية قدرات شبحية فائقة. يسمح هذا النظام للغواصة بالبقاء مغمورة تحت سطح الماء لفترات أطول بكثير مقارنة بالغواصات التي تعتمد فقط على محركات الديزل والكهرباء التقليدية، مما يزيد من مداها العملياتي ويجعل اكتشافها من قبل الرادارات المعادية أمراً بالغ الصعوبة. وتأتي هذه الخطوة لتعزيز الأسطول البحري الهندي بقدرات ردع استراتيجية في المياه العميقة.
سياق المشروع 75I والحاجة للتحديث
تأتي هذه الصفقة ضمن إطار مشروع الهند الطموح المعروف باسم "Project 75I"، والذي يهدف إلى تحديث البحرية الهندية التي تعاني من تقادم في أسطول غواصاتها. وتسعى نيودلهي من خلال هذا المشروع إلى استبدال الغواصات القديمة بقطع بحرية حديثة قادرة على حماية مصالحها في المحيط الهندي. ويُعد اشتراط الهند لنقل التكنولوجيا وتصنيع الغواصات محلياً جزءاً من مبادرة "صنع في الهند" التي يتبناها رئيس الوزراء ناريندرا مودي لتعزيز القاعدة الصناعية الدفاعية للبلاد.
الأبعاد الجيوسياسية والتوازن في المحيط الهندي
لا تقتصر أهمية هذه الصفقة على الجانب التقني فحسب، بل تحمل دلالات جيوسياسية عميقة. فالهند تسعى بشكل حثيث لمواجهة النفوذ الصيني المتزايد في منطقة المحيط الهندي والمحيط الهادئ، حيث قامت بكين بتوسيع تواجدها البحري بشكل ملحوظ في السنوات الأخيرة. امتلاك الهند لغواصات ألمانية متطورة سيعيد تشكيل موازين القوى البحرية في المنطقة ويمنح البحرية الهندية تفوقاً نوعياً في حماية ممرات التجارة البحرية الحيوية.
تحول في مصادر التسليح الهندية
على الصعيد الدولي، تمثل هذه الصفقة تحولاً استراتيجياً في سياسة التسليح الهندية التي اعتمدت لعقود طويلة على السلاح الروسي. في ظل التوترات العالمية الحالية والعقوبات المفروضة على موسكو، بدأت نيودلهي في تنويع شركائها الدفاعيين، متجهة نحو الغرب وتحديداً ألمانيا وفرنسا والولايات المتحدة. بالنسبة لألمانيا، تُعد هذه الصفقة فرصة ذهبية لتعزيز صادراتها الدفاعية وتوطيد شراكتها الاستراتيجية مع أكبر ديمقراطية في العالم، مما يعكس رغبة برلين في لعب دور أمني أكبر على الساحة الدولية.


