دق اتحاد صناعة السيارات الألماني (VDA) ناقوس الخطر، محذراً من أن مكانة ألمانيا كمركز عالمي رائد في صناعة السيارات باتت معرضة لتراجع تاريخي، مع تزايد هجرة الاستثمارات والوظائف إلى الخارج. يأتي هذا التحذير في وقت تواجه فيه الصناعة التي تعد العمود الفقري للاقتصاد الألماني تحديات وجودية تهدد عرشها الذي تربعت عليه لعقود طويلة.
خلفية تاريخية: “صُنع في ألمانيا” على المحك
لطالما كانت صناعة السيارات الألمانية مرادفاً للجودة الفائقة والهندسة الدقيقة والابتكار. فمنذ اختراع كارل بنز لأول سيارة تعمل بالبنزين في عام 1886، قادت ألمانيا العالم في هذا القطاع، وأصبحت موطناً لعمالقة مثل فولكس فاجن، ومرسيدس-بنز، وبي إم دبليو، وبورشه. وقد شكل هذا القطاع لعقود طويلة قاطرة النمو للاقتصاد الألماني، حيث يوفر مئات الآلاف من الوظائف المباشرة وغير المباشرة ويسهم بشكل كبير في الناتج المحلي الإجمالي والصادرات.
أرقام مقلقة وتوجه نحو الانسحاب
كشف استطلاع حديث أجراه الاتحاد أن 72% من الشركات الأعضاء تخطط لتقليص استثماراتها في ألمانيا، إما عبر نقلها إلى الخارج (28%)، أو تأجيلها (25%)، أو إلغائها بالكامل (19%). وقالت رئيسة الاتحاد، هيلديجارد مولر، إن “هجرة الاستثمارات والوظائف لن تمر دون عواقب وخيمة على ازدهار ألمانيا واستقرارها الاجتماعي والسياسي”. وأضافت أن شبح الركود يخيم على قطاع التصنيع الذي فقد بالفعل ما يقرب من 55 ألف وظيفة في قطاع السيارات خلال العامين الماضيين.
أهمية الحدث وتأثيره المتوقع
تمتد تداعيات هذه الأزمة إلى ما هو أبعد من حدود ألمانيا. فعلى المستوى المحلي، يهدد تراجع الصناعة بفقدان المزيد من الوظائف، وإضعاف شبكة واسعة من الموردين المحليين، والتأثير سلباً على الاقتصاد ككل. وعلى المستوى الإقليمي، فإن أي ضعف يصيب المحرك الصناعي الألماني سيكون له تأثير الدومينو على اقتصادات دول الاتحاد الأوروبي الأخرى المرتبطة ارتباطاً وثيقاً بسلاسل التوريد الألمانية. أما دولياً، فإن هذا التحول يفتح الباب أمام المنافسين، وخاصة من الصين والولايات المتحدة، لتعزيز مكانتهم في السوق العالمية، لا سيما في قطاع السيارات الكهربائية الذي تتسابق فيه ألمانيا للحاق بالركب.
تحديات متعددة: من التكاليف إلى المنافسة الصينية
تعود أسباب الأزمة إلى مزيج معقد من العوامل، أبرزها ارتفاع تكاليف الطاقة والعمالة، والبيروقراطية المعقدة، وضعف الطلب العالمي. وتتفاقم هذه الضغوط مع احتدام المنافسة الشرسة من الشركات الصينية التي غزت الأسواق بسيارات كهربائية متطورة وبأسعار تنافسية. وانتقدت مولر حزمة الإجراءات التي أقرها الاتحاد الأوروبي لدعم التحول نحو السيارات الكهربائية، داعيةً إلى “حوافز مدفوعة بقوة السوق بدلاً من الالتزامات التنظيمية” لتشجيع النمو والابتكار. ويثير هذا الوضع مخاوف من تكرار “لحظة نوكيا”، في إشارة إلى الانهيار السريع لشركة الهواتف التي كانت تهيمن على السوق وفشلت في التكيف مع التغيرات التكنولوجية.


