أحيت اليابان اليوم ذكرى مرور 15 عاماً منذ وقوع كارثة فوكوشيما النووية، والتي نتجت عن زلزال مدمر وموجات مد عاتية (تسونامي) ضربت شمال شرق البلاد. لقد أسفر هذا الحدث المأساوي عن وقوع أسوأ أزمة نووية في العالم منذ كارثة “تشيرنوبيل” التي وقعت عام 1986. وتأتي هذه الذكرى لتسلط الضوء على حجم المأساة التي عاشها الشعب الياباني، ولتؤكد على أهمية الاستعداد الدائم لمواجهة الكوارث الطبيعية.
وذكرت وكالة “كيودو” اليابانية للأنباء أن الزلزال العنيف الذي بلغت قوته 9.0 درجات على مقياس ريختر، وما أعقبه من موجات تسونامي ضخمة أدت إلى انهيار محطة فوكوشيما، أسفر عن وفاة ما لا يقل عن 22 ألف شخص. وقد قدرت وكالة الشرطة الوطنية حصيلة ضحايا هذه الكوارث الثلاثة بـ 15,901 شخصاً، في حين لا يزال هناك 2,519 شخصاً في عداد المفقودين حتى نهاية شهر فبراير الماضي، ويتركز معظم هؤلاء المفقودين في محافظات “مياجي”، “فوكوشيما”، و”إيواته”. ومن المقرر أن تحضر رئيسة وزراء اليابان، سانايه تاكايتشي، مراسم تأبين رسمية تقيمها مقاطعة فوكوشيما تكريماً لأرواح الضحايا.
السياق التاريخي وراء كارثة فوكوشيما النووية
تعود جذور كارثة فوكوشيما النووية إلى الحادي عشر من مارس عام 2011، عندما ضرب زلزال “توهوكو” العظيم قبالة السواحل اليابانية. لم يكن الزلزال بحد ذاته هو المسبب الوحيد للدمار، بل موجات التسونامي الهائلة التي تجاوز ارتفاعها في بعض المناطق 14 متراً. هذه الأمواج العاتية تخطت الحواجز الدفاعية لمحطة فوكوشيما دايتشي للطاقة النووية، مما أدى إلى غمر المولدات الاحتياطية بالمياه وفقدان الطاقة اللازمة لتبريد المفاعلات. ونتيجة لذلك، حدث انصهار في ثلاثة مفاعلات نووية، مما أدى إلى تسرب إشعاعي كبير أجبر مئات الآلاف من السكان على إخلاء منازلهم وترك مدنهم وقراهم التي أصبحت مناطق محظورة لعقود.
التأثيرات العميقة والدروس المستفادة محلياً ودولياً
لم تقتصر تداعيات هذا الحدث المأساوي على الداخل الياباني فحسب، بل امتدت لتشمل العالم بأسره، مما أحدث تغييراً جذرياً في سياسات الطاقة العالمية. على الصعيد المحلي، تكبدت اليابان خسائر اقتصادية هائلة تقدر بمئات المليارات من الدولارات، شملت تكاليف إعادة الإعمار، تعويض المتضررين، وعمليات إزالة التلوث الإشعاعي التي لا تزال مستمرة حتى اليوم. كما أثرت الكارثة بشكل كبير على قطاعي الزراعة والصيد البحري في المنطقة بسبب المخاوف المستمرة من التلوث الإشعاعي في المياه والتربة.
أما على الصعيد الإقليمي والدولي، فقد دقت هذه الحادثة ناقوس الخطر بشأن معايير السلامة النووية. سارعت العديد من الدول إلى مراجعة برامجها النووية؛ ففي أوروبا، قررت ألمانيا التخلص التدريجي من محطاتها للطاقة النووية بالكامل، بينما شددت دول أخرى إجراءات السلامة في مفاعلاتها. لقد أثبتت هذه الأزمة أن الكوارث البيئية والصناعية لا تعترف بالحدود، وأن التعاون الدولي في مجالات الاستجابة للطوارئ وتطوير مصادر الطاقة المتجددة والآمنة أصبح ضرورة ملحة لضمان مستقبل مستدام للأجيال القادمة.


