دعا وزير الخارجية الفرنسي، جان نويل بارو، إيران إلى تقديم “تنازلات كبرى” في إطار المفاوضات الدبلوماسية لتجنب ضربات أمريكية محتملة، مؤكداً أن واشنطن وضعت نفسها في موقع يتيح لها شن عملية عسكرية، لكنها في الوقت ذاته فتحت مساراً تفاوضياً يجب على طهران اغتنامه. جاءت هذه التصريحات في مقابلة مع صحيفة “ليبيراسيون”، لتعكس القلق الأوروبي المتزايد من تصاعد التوتر في منطقة الخليج.
خلفية التوتر: الانسحاب من الاتفاق النووي
تعود جذور الأزمة الحالية إلى قرار الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب في عام 2018 بالانسحاب من جانب واحد من الاتفاق النووي المبرم عام 2015 (خطة العمل الشاملة المشتركة – JCPOA). كان هذا الاتفاق، الذي تفاوضت عليه إيران مع القوى العالمية (الولايات المتحدة، فرنسا، بريطانيا، ألمانيا، روسيا، والصين)، يهدف إلى تقييد برنامج إيران النووي مقابل رفع العقوبات الاقتصادية عنها. اعتبرت إدارة ترامب الاتفاق غير كافٍ، وأعادت فرض عقوبات قاسية ضمن سياسة “الضغط الأقصى” بهدف إجبار إيران على التفاوض على اتفاق جديد يشمل برنامجها الصاروخي وسياساتها الإقليمية.
أهمية الموقف الفرنسي وتأثيره
تأتي دعوة بارو في سياق الجهود الدبلوماسية الأوروبية، وخاصة الفرنسية، للحفاظ على الاتفاق النووي ومنع انهيار الجهود الدبلوماسية. وأضاف الوزير الفرنسي أن “على إيران أن تتوقف عن أن تكون مصدر تهديد لجوارها الإقليمي ولمصالحنا الأمنية”. كما طالب السلطات الإيرانية بإنهاء القمع الداخلي، وإطلاق سراح السجناء، ووقف تنفيذ أحكام الإعدام، وإعادة خدمات الإنترنت، رابطاً بين السياسة الخارجية الإيرانية والوضع الحقوقي الداخلي.
التداعيات الإقليمية والدولية
إن أي مواجهة عسكرية بين الولايات المتحدة وإيران لن تقتصر آثارهما عليهما فقط، بل ستمتد لتشمل منطقة الشرق الأوسط بأكملها والعالم. يمر عبر مضيق هرمز، الذي تطل عليه إيران، جزء كبير من إمدادات النفط العالمية، وأي اضطراب في الملاحة سيؤدي إلى ارتفاع هائل في أسعار الطاقة عالمياً. كما أن دول الجوار، خاصة في الخليج العربي، ستكون في قلب العاصفة، مما يهدد استقرارها وأمنها. لهذا السبب، تكثفت الوساطات الدبلوماسية من قبل دول مثل سويسرا وعمان واليابان في محاولة لخفض التصعيد وإيجاد أرضية مشتركة للحوار بين واشنطن وطهران.
وكان الرئيس ترامب قد صرح في وقت سابق بأن إيران “تتحدث” إلى الولايات المتحدة، مشيراً إلى وجود قنوات تواصل غير مباشرة، لكنه في الوقت نفسه كرر تهديداته بتعزيز القوات الأمريكية في المنطقة، قائلاً: “لدينا أسطول كبير يتجه إلى هناك”. هذا المزيج من التهديد وفتح الباب للتفاوض يضع إيران أمام خيارات صعبة، وهو ما تسعى الدبلوماسية الفرنسية لاستغلاله للدفع نحو حل سلمي يجنب المنطقة والعالم حرباً مدمرة.


