مع حلول أولى ليالي شهر رمضان المبارك، شهد المسجد النبوي الشريف في المدينة المنورة توافد جموع غفيرة من المصلين من داخل المملكة وخارجها لأداء صلاتي العشاء والتراويح، في مشهد إيماني مهيب يعكس الشوق والحنين لهذا الشهر الفضيل. وقد سادت أجواء روحانية مفعمة بالخشوع والطمأنينة، حيث امتلأت أروقة المسجد وساحاته وأسطحه بالمصلين الذين ابتهلوا إلى الله بالدعاء والذكر وتلاوة القرآن.
وأمّ المصلين في صلاة العشاء والتسليمات الأولى من صلاة التراويح فضيلة الشيخ الدكتور عبد الله البعيجان، بينما أمّ المصلين في التسليمات الأخيرة مع الشفع والوتر فضيلة الشيخ الدكتور محمد برهجي، حيث صدحت أصواتهما العذبة بآيات الذكر الحكيم، لتضفي على المكان سكينة ووقارًا.
السياق التاريخي وأهمية صلاة التراويح
تُعد صلاة التراويح من أبرز الشعائر التي يحرص عليها المسلمون خلال شهر رمضان، وهي صلاة قيام ليل خاصة بهذا الشهر. ورغم أن النبي محمد (صلى الله عليه وسلم) صلاها في جماعة لأيام معدودة ثم ترك ذلك خشية أن تُفرض على أمته، إلا أن إقامتها في جماعة منتظمة استقرت في عهد الخليفة الراشد عمر بن الخطاب رضي الله عنه، الذي جمع الناس على إمام واحد، لتصبح سنة مؤكدة يواظب عليها المسلمون في مشارق الأرض ومغاربها. وتكتسب هذه الصلاة أهمية خاصة عند إقامتها في الحرمين الشريفين، المسجد الحرام بمكة المكرمة والمسجد النبوي بالمدينة المنورة، حيث يتضاعف الأجر وتتعاظم الروحانية.
جهود متكاملة لخدمة ضيوف الرحمن
واكبت هذه الأجواء الإيمانية منظومة متكاملة من الخدمات التي قدمتها الهيئة العامة للعناية بشؤون المسجد النبوي، تنفيذًا لتوجيهات القيادة الرشيدة بتوفير أقصى درجات الراحة والطمأنينة لزوار المسجد. وقد أكملت الهيئة استعداداتها التشغيلية منذ وقت مبكر، حيث تم تجهيز وتهيئة ساحات المسجد وتوسعاته وفرشها بأفخر أنواع السجاد، لاستيعاب الأعداد الكبيرة المتوقعة من المصلين. كما تم توفير كميات وافرة من عبوات مياه زمزم المباركة، وتكثيف عمليات التنظيف والتعقيم على مدار الساعة، بالإضافة إلى تشغيل أنظمة التكييف والمراوح لضمان أجواء مريحة للمصلين.
الأهمية الدينية والتأثير العالمي
يحمل مشهد أول صلاة تراويح في المسجد النبوي أهمية رمزية كبرى للمسلمين حول العالم، فهو لا يمثل فقط بداية شهر الصيام والقيام في ثاني أقدس البقاع الإسلامية، بل هو أيضًا حدث يتابعه الملايين عبر الشاشات والمنصات الرقمية، مما يوحدهم في شعور روحاني مشترك. ويعكس هذا الحدث الدور المحوري للمملكة العربية السعودية في خدمة الإسلام والمسلمين ورعاية الحرمين الشريفين، كما يسلط الضوء على الجهود التنظيمية والأمنية الهائلة التي تُبذل لضمان سلامة وراحة ملايين الزوار والمعتمرين الذين يفدون إلى المدينة المنورة خلال هذا الشهر الكريم، مما يعزز مكانة المملكة كقلب نابض للعالم الإسلامي.

