أعلنت الجمعية الفلكية بجدة، على لسان رئيسها المهندس ماجد أبو زاهرة، أن سماء العالم العربي ستكون على موعد مع ظاهرة فلكية مميزة يوم الإثنين الموافق 26 يناير 2026، حيث سيظهر القمر في طور التربيع الأول لشهر شعبان. يمثل هذا الحدث فرصة استثنائية لهواة الفلك والمصورين وعموم المهتمين لمشاهدة تفاصيل سطح القمر بوضوح فريد.
السياق الفلكي لظاهرة التربيع الأول
يحدث طور التربيع الأول عندما يكمل القمر ربع دورته الشهرية حول كوكب الأرض، وذلك بعد حوالي أسبوع من المحاق (بداية الشهر القمري). في هذه المرحلة، تكون الزاوية بين الشمس والأرض والقمر قائمة تقريبًا (90 درجة)، مما يجعلنا نرى نصف وجه القمر مضاءً بنور الشمس تمامًا، بينما يظل النصف الآخر في ظلام دامس. هذه الظاهرة ليست مجرد مشهد جمالي، بل هي نتيجة مباشرة لهندسة النظام الشمسي وحركة الأجرام السماوية، وهي جزء من دورة قمرية مستمرة أثرت في حياة البشر منذ فجر التاريخ.
الأهمية التاريخية والثقافية لأطوار القمر
ارتبطت مراقبة أطوار القمر ارتباطًا وثيقًا بالحضارات الإنسانية، وخاصة في العالم العربي والإسلامي. فقد اعتمد العرب قديمًا على الدورة القمرية لتحديد التوقيت والشهور، وهو ما استمر مع التقويم الهجري الذي يعد تقويمًا قمريًا بالكامل. ويحمل شهر شعبان مكانة خاصة كونه يسبق شهر رمضان المبارك، مما يجعل مراقبة أهلة وأطوار القمر فيه ذات أهمية دينية وثقافية. إن رصد القمر في طور التربيع الأول يعيد إحياء هذا الإرث العريق من علم الفلك الذي برع فيه العلماء المسلمون، ويربط الأجيال الحالية بتقاليد أجدادهم في استكشاف السماء.
لماذا يعتبر التربيع الأول أفضل وقت للرصد؟
أوضح المهندس أبو زاهرة أن القمر في هذا الطور يشرق ظهرًا بالتوقيت المحلي، ويصل إلى أعلى نقطة في السماء قبيل غروب الشمس، ويظل مرئيًا بوضوح حتى منتصف الليل. الميزة الأبرز لهذه المرحلة تكمن في “الخط الفاصل” (Terminator)، وهو الحد الذي يفصل بين الجزء المضاء والجزء المظلم من القمر. عند هذا الخط، تكون أشعة الشمس ساقطة بزاوية مائلة جدًا، مما يلقي بظلال طويلة خلف الجبال وحواف الفوهات القمرية. هذا التباين الحاد بين الضوء والظل يمنح تضاريس سطح القمر مظهرًا ثلاثي الأبعاد، ويكشف عن تفاصيل دقيقة لا يمكن رؤيتها بوضوح عندما يكون القمر بدرًا وكامل الإضاءة.
نصائح عملية للرصد والتصوير
للاستمتاع بهذه الظاهرة، لا يتطلب الأمر معدات معقدة. يمكن استخدام منظار ثنائي العدسات لرؤية الفوهات الكبيرة والبحار القمرية. وللحصول على تفاصيل أدق، يُنصح باستخدام تلسكوب صغير بفتحة تتراوح بين 4 و6 بوصات. يمكن للمصورين الفلكيين استغلال هذه الفرصة لالتقاط صور عالية التباين لسطح القمر، مع إمكانية استخدام مرشحات ضوئية (فلاتر) لتقليل الوهج وإبراز المزيد من التفاصيل. ومع استمرار حركة القمر في مداره، ستزداد مساحته المضاءة يومًا بعد يوم، متجهًا نحو طور الأحدب المتزايد ثم البدر الكامل، مما يوفر مشاهد متغيرة وممتعة للمراقبين على مدار الأسبوع التالي.


