أظهرت تقديرات جديدة صادرة عن هيئة الإحصاء الأوروبية “يوروستات” استقرار معدل التضخم السنوي في منطقة اليورو عند 2.1% خلال شهر نوفمبر، مما يعزز بقوة التوقعات بأن البنك المركزي الأوروبي قد يقرر إيقاف دورة رفع أسعار الفائدة في اجتماعه المرتقب. ويأتي هذا الرقم بعد مراجعة للتقدير الأولي الذي كان يشير إلى 2.2%، وهو ما يمثل دفعة إيجابية لصانعي السياسات النقدية الذين يسعون جاهدين لإعادة التضخم إلى الهدف المحدد عند 2%.
خلفية موجة التضخم التاريخية
شهدت منطقة اليورو، كغيرها من الاقتصادات الكبرى، موجة تضخم غير مسبوقة في أعقاب جائحة كوفيد-19. بدأت الضغوط التضخمية بالظهور نتيجة لاختناقات سلاسل الإمداد العالمية والطلب المتزايد بعد فترات الإغلاق. إلا أن الشرارة الحقيقية التي أشعلت فتيل التضخم كانت الحرب في أوكرانيا، والتي أدت إلى ارتفاع حاد وكبير في أسعار الطاقة، وخاصة الغاز الطبيعي. ونتيجة لذلك، وصل معدل التضخم في منطقة اليورو إلى ذروة تاريخية بلغت 10.6% في أكتوبر 2022، مما شكل ضغطاً هائلاً على الأسر والشركات على حد سواء.
لمواجهة هذا الارتفاع الجامح، تبنى البنك المركزي الأوروبي سياسة نقدية متشددة، حيث أطلق دورة تاريخية من رفع أسعار الفائدة بدأت في يوليو 2022. وعلى مدار أكثر من عام، رفع البنك أسعار الفائدة الرئيسية عشر مرات متتالية، في أسرع وتيرة تشديد نقدي في تاريخه، بهدف كبح جماح الطلب وتثبيت توقعات التضخم.
أهمية استقرار التضخم وتأثيره المتوقع
يُعد استقرار التضخم عند مستويات قريبة من الهدف المنشود مؤشراً مهماً على أن السياسة النقدية المتشددة بدأت تؤتي ثمارها. ويعود التعديل الأخير في بيانات نوفمبر بشكل أساسي إلى انخفاض طفيف في أسعار المواد الغذائية غير المصنعة والسلع المصنعة، وهو ما يشير إلى تباطؤ أوسع في ضغوط الأسعار. أما بالنسبة للتضخم الأساسي، الذي يستثني أسعار الطاقة والغذاء المتقلبة ويراقبه البنك المركزي عن كثب، فقد استقر عند 2.4%، مما يدل على أن الضغوط التضخمية الكامنة لا تزال قائمة ولكنها تحت السيطرة.
على الصعيد المحلي والإقليمي، فإن توقف رفع الفائدة سيمنح المستهلكين والشركات متنفساً، حيث سيؤدي إلى استقرار تكاليف الاقتراض ويقلل من مخاطر الدخول في ركود اقتصادي عميق. أما على الصعيد الدولي، فإن قرارات البنك المركزي الأوروبي تؤثر بشكل مباشر على قيمة اليورو مقابل العملات الأخرى وتنعكس على الأسواق المالية العالمية. ويعتبر توجه البنك نحو تثبيت الفائدة بمثابة إشارة إلى أن البنوك المركزية الكبرى قد تقترب من نهاية دورات التشديد النقدي، مما قد يعزز من شهية المستثمرين للمخاطرة ويدعم استقرار الاقتصاد العالمي.


