يتصاعد النقاش داخل أروقة الاتحاد الأوروبي حول فرض قيود صارمة قد تصل إلى حظر كامل لوسائل التواصل الاجتماعي على المراهقين، مع تحديد عام 2026 كموعد محتمل لتطبيق تشريعات موحدة. وتأتي هذه التحركات في ظل تنامي القلق العالمي بشأن التأثيرات السلبية للمنصات الرقمية على الصحة العقلية والنفسية للشباب، بينما تقود دول أعضاء مثل فرنسا الجهود لتطبيق إجراءات وطنية عاجلة دون انتظار الإجماع الأوروبي.
خلفية تاريخية ومخاوف متزايدة
لم تكن قضية حماية الأطفال على الإنترنت وليدة اللحظة. فمنذ بزوغ فجر الشبكات الاجتماعية في منتصف العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، تحولت هذه المنصات من أدوات للتواصل إلى بيئات خوارزمية معقدة تهدف إلى زيادة تفاعل المستخدمين لأقصى درجة. وقد أظهرت العديد من الدراسات الموثوقة وجود ارتباط بين الاستخدام المفرط لوسائل التواصل الاجتماعي وارتفاع معدلات القلق والاكتئاب واضطرابات صورة الجسد والتنمر الإلكتروني بين المراهقين. هذه المخاوف دفعت المشرعين في جميع أنحاء العالم إلى إعادة تقييم الأطر التنظيمية التي تحكم عمالقة التكنولوجيا، والتي غالبًا ما تُتهم بإعطاء الأولوية للأرباح على حساب سلامة المستخدمين الأصغر سنًا.
الزخم التشريعي في أوروبا
يستمد النقاش الأوروبي الحالي زخمه من عدة مصادر، أبرزها الخطوة التي اتخذتها أستراليا في ديسمبر الماضي عندما أصبحت أول دولة تفرض حظرًا على استخدام وسائل التواصل الاجتماعي لمن هم دون السادسة عشرة. وتراقب دول الاتحاد الأوروبي هذا النموذج عن كثب، وتدرسه كخيار قابل للتطبيق على المستوى القاري. وقد دعت دول مثل فرنسا والدنمارك واليونان وإسبانيا صراحةً إلى حظر شامل على مستوى الاتحاد الأوروبي.
ونظرًا لبطء العملية التشريعية الأوروبية، قررت فرنسا المضي قدمًا بمفردها، حيث وافق برلمانها في قراءة أولى على مشروع قانون يحظر استخدام هذه المنصات لمن هم دون الخامسة عشرة، وهو إجراء يحظى بدعم قوي من الرئيس إيمانويل ماكرون. كما أعربت رئيسة المفوضية الأوروبية، أورسولا فون دير لايين، عن تأييدها الشخصي لهذه الإجراءات، مشبهة المخاطر الرقمية بمخاطر التدخين والكحول على القاصرين.
الأبعاد العالمية والتأثيرات المتوقعة
إن أي قرار يتخذه الاتحاد الأوروبي في هذا الشأن سيكون له تداعيات عالمية واسعة. فالاتحاد، بسوقه الموحد الضخم، غالبًا ما يضع المعايير العالمية في تنظيم التكنولوجيا، كما حدث مع “اللائحة العامة لحماية البيانات” (GDPR). ومن المتوقع أن يؤدي فرض حظر أو قيود عمرية صارمة إلى إجبار شركات التكنولوجيا الكبرى على إعادة تصميم منصاتها لتتوافق مع المتطلبات الجديدة، وهي تغييرات قد تمتد لتشمل خدماتها في جميع أنحاء العالم.
هذه القضية ليست محصورة في أوروبا، حيث تدرس دول مثل النرويج ونيوزيلندا وماليزيا والمملكة المتحدة مسارات تنظيمية مماثلة. ومن المتوقع أن يثير هذا التوجه العالمي جدلاً واسعًا حول التوازن بين حماية الأطفال وحرية التعبير وحقوق الوالدين في التربية.
الطريق إلى 2026
سبق للاتحاد الأوروبي أن أقر قوانين صارمة مثل “قانون الخدمات الرقمية” (DSA) لتنظيم المنصات. وفي هذا الإطار، فُتح تحقيق في عام 2024 حول تأثير منصات مثل فيسبوك وإنستغرام وتيك توك على صحة الأطفال، ومن المتوقع صدور نتائجه قريبًا. كان من المقرر تشكيل لجنة متخصصة لاقتراح تدابير ملموسة بحلول نهاية 2025، لكن تم تأجيل عملها إلى أوائل 2026، مما يجعل هذا العام محوريًا في تحديد مستقبل العلاقة بين المراهقين ووسائل التواصل الاجتماعي في أوروبا والعالم.


