في تطور لافت بأسواق العملات العالمية، نجح اليورو في اختراق حاجز 1.20 دولار أمريكي يوم الثلاثاء، مسجلاً بذلك أعلى مستوى له منذ منتصف عام 2021. ويأتي هذا الصعود، الذي بلغت نسبته 1.4% ليصل سعر الصرف إلى 1.2049 دولار، في ظل تراجع شهية المستثمرين للدولار الأمريكي وسط توقعات متزايدة بتغير مسار السياسات النقدية للبنوك المركزية الكبرى.
السياق العام والخلفية التاريخية
يُعد زوج اليورو مقابل الدولار (EUR/USD) زوج العملات الأكثر تداولاً في العالم، مما يجعله مؤشراً حساساً للمعنويات الاقتصادية العالمية. لم يكن الوصول إلى مستوى 1.20 دولار حدثاً مفاجئاً بالكامل، بل جاء تتويجاً لاتجاه صعودي استمر لأشهر. خلال الاثني عشر شهراً الماضية، حقق اليورو مكاسب بنحو 14% مقابل الدولار. هذا التحول يعكس تبايناً في التوقعات الاقتصادية بين منطقة اليورو والولايات المتحدة. فبعد فترة طويلة من قوة الدولار المدفوعة برفع أسعار الفائدة من قبل مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي لكبح التضخم، بدأت الأسواق تتوقع تباطؤاً في وتيرة التشديد النقدي الأمريكي، وربما التحول نحو التيسير، بينما يواصل البنك المركزي الأوروبي موقفه المتشدد لمواجهة ضغوط الأسعار في أوروبا.
أهمية الحدث وتأثيره المتوقع
إن تجاوز اليورو لهذا المستوى النفسي الهام له تداعيات واسعة على مختلف الأصعدة:
- على الصعيد الأوروبي: يمثل اليورو القوي سلاحاً ذا حدين. فمن ناحية، يساعد على كبح التضخم المستورد، حيث تصبح تكلفة شراء السلع والخدمات من خارج منطقة اليورو (خاصة المقومة بالدولار مثل الطاقة) أقل. ومن ناحية أخرى، يضر بالقدرة التنافسية لصادرات المنطقة، حيث تصبح المنتجات الأوروبية أكثر تكلفة للمشترين في الخارج، وهو ما قد يؤثر سلباً على اقتصادات كبرى معتمدة على التصدير مثل ألمانيا.
- على الصعيد الدولي: يؤدي ضعف الدولار الأمريكي المقابل إلى تغييرات في تدفقات رؤوس الأموال العالمية. كما أنه يجعل السلع المقومة بالدولار، كالنفط والمعادن، أرخص بالنسبة للدول التي تستخدم عملات أخرى، مما قد يحفز الطلب العالمي. بالنسبة للدول التي تربط عملتها بالدولار، مثل العديد من دول الخليج العربي، فإن قوة اليورو تعني زيادة تكلفة الواردات من منطقة اليورو، مما قد يؤثر على المستهلكين والشركات المحلية.
- نظرة مستقبلية: يراقب المستثمرون عن كثب البيانات الاقتصادية القادمة من كلا الاقتصادين، وخاصة مؤشرات التضخم والنمو، بالإضافة إلى تصريحات مسؤولي البنك المركزي الأوروبي والاحتياطي الفيدرالي، والتي ستحدد المسار المستقبلي لأسعار الفائدة، وبالتالي اتجاه زوج اليورو مقابل الدولار في الفترة المقبلة.
ويُذكر أن عملات أوروبية أخرى شهدت أداءً قوياً أيضاً، حيث ارتفع الفرنك السويسري بنسبة 15% وصعدت الكرونة السويدية بحوالي 20% مقابل الدولار خلال العام الماضي، مما يؤكد على الاتجاه العام لضعف العملة الأمريكية في الأسواق العالمية.


