تصعيد تنظيمي كبير ضد تيك توك
في خطوة تنظيمية بارزة، وجه الاتحاد الأوروبي تحذيراً شديد اللهجة إلى منصة تيك توك، مطالباً إياها بإجراء تعديلات جوهرية على تصميمها الذي يرى المسؤولون الأوروبيون أنه يشجع على الإدمان السلوكي لدى المستخدمين، خاصة فئة القاصرين. وهددت المفوضية الأوروبية بفرض غرامات باهظة على الشركة الصينية المالكة للتطبيق، ByteDance، في حال عدم امتثالها لقواعد المحتوى الرقمي الجديدة الصارمة التي يفرضها الاتحاد.
السياق العام: قانون الخدمات الرقمية (DSA)
يأتي هذا الإجراء في إطار تطبيق “قانون الخدمات الرقمية” (Digital Services Act – DSA)، وهو تشريع أوروبي شامل دخل حيز التنفيذ الكامل في أوائل عام 2024. يهدف هذا القانون إلى إرساء بيئة رقمية أكثر أمانًا وشفافية من خلال فرض التزامات واضحة على المنصات الإلكترونية الكبرى، التي يُطلق عليها “حراس البوابة” (Gatekeepers). وبموجب هذا القانون، أصبحت شركات مثل تيك توك وميتا وجوجل مسؤولة بشكل مباشر عن إدارة المخاطر النظامية التي قد تنشأ عن خدماتها، بما في ذلك التأثيرات السلبية على الصحة العقلية والجسدية للمستخدمين، وحماية القاصرين، ومكافحة المعلومات المضللة.
مخاوف أوروبية من “تأثير جحر الأرنب”
ترتكز مخاوف المفوضية الأوروبية على عدة ميزات تصميمية في تيك توك، أبرزها خوارزمية التوصيات القوية وخاصية التمرير اللانهائي (endless scroll). ويرى المحققون أن هذه الآليات تخلق ما يُعرف بـ “تأثير جحر الأرنب” (rabbit hole effect)، حيث يتم جذب المستخدمين إلى استهلاك المحتوى بشكل قهري ومتواصل دون فترات راحة كافية، مما قد يؤدي إلى الإدمان ومشاكل في الصحة النفسية. وأشار المتحدث باسم المفوضية، توماس رينييه، إلى أن “تصميم تيك توك المسبب للإدمان يخالف قانون الخدمات الرقمية”، وأن الإجراءات التي اتخذتها المنصة حتى الآن “غير كافية على الإطلاق” لمعالجة هذه المخاطر الجسيمة.
أهمية الحدث وتأثيره المتوقع
تكتسب هذه المواجهة أهمية كبرى على عدة مستويات. فعلى المستوى الإقليمي، تؤكد هذه الخطوة على جدية الاتحاد الأوروبي في فرض سيادته الرقمية وتطبيق تشريعاته بقوة، مما يرسخ مكانته كقائد عالمي في مجال تنظيم التكنولوجيا. أما على المستوى الدولي، فإن نتائج هذا التحقيق قد تشكل سابقة قانونية مؤثرة، تلهم هيئات تنظيمية أخرى حول العالم لتبني نهج مماثل في التعامل مع تصميمات المنصات الرقمية. وفي حال إدانة تيك توك، قد تواجه الشركة غرامات تصل إلى 6% من إجمالي إيراداتها السنوية العالمية، وهو ما يمثل ضربة مالية قوية. من جانبها، رفضت تيك توك الاستنتاجات الأولية للمفوضية، معتبرة أنها “تقدم صورة زائفة ولا أساس لها من الصحة”، وأكدت أنها ستواصل التعاون مع الجهات التنظيمية للدفاع عن موقفها وإظهار جهودها في حماية المستخدمين.


