شهدت عدة دول أوروبية، وفي مقدمتها إيرلندا، موجة غضب عارمة في أوساط المزارعين، حيث تظاهر الآلاف يوم السبت الماضي احتجاجاً على اتفاق التجارة الحرة المثير للجدل بين الاتحاد الأوروبي وتكتل السوق المشتركة لأميركا الجنوبية المعروف باسم “ميركوسور”. وتأتي هذه التحركات الاحتجاجية غداة إعلان موافقة دول الاتحاد الأوروبي على الاتفاق، في خطوة تجاوزت المعارضة الشديدة التي أبدتها دول محورية في القطاع الزراعي مثل فرنسا وإيرلندا.
احتجاجات تعم القارة العجوز
لم تقتصر الاحتجاجات على الداخل الإيرلندي، حيث تقاطرت الجرارات الزراعية رافعة شعارات “لا لاتفاق ميركوسور” و”أنقذوا الزراعة المحلية”؛ بل امتدت الشرارة لتشمل دولاً أخرى. ففي بولندا، نظم المزارعون وقفات احتجاجية حاشدة، بينما شهدت فرنسا وبلجيكا إغلاقاً لعدة طرقات رئيسية تعبيراً عن الرفض القاطع للاتفاق. ويرى المحتجون أن هذا الاتفاق بمثابة “طعنة في الظهر” للقطاع الزراعي الأوروبي، مهدداً بإغراق الأسواق بمنتجات مستوردة بأسعار لا تقبل المنافسة.
خلفية تاريخية وسياق الاتفاق
يعد هذا الاتفاق نتاج مفاوضات ماراثونية استمرت لأكثر من 25 عاماً بين الاتحاد الأوروبي ودول تكتل “ميركوسور” الذي يضم قوى اقتصادية كبرى في أميركا الجنوبية هي البرازيل، والأرجنتين، والباراغواي، والأوروغواي. ويهدف الاتفاق إلى إنشاء واحدة من أكبر مناطق التجارة الحرة في العالم، تغطي سوقاً استهلاكية ضخمة تضم أكثر من 700 مليون نسمة، وذلك عبر إلغاء الرسوم الجمركية تدريجياً على غالبية السلع المتبادلة بين الجانبين.
المخاوف الاقتصادية ومعايير الجودة
تتمحور مخاوف المزارعين الأوروبيين، وتحديداً في إيرلندا وفرنسا، حول نقطة جوهرية تتعلق بـ “المنافسة غير المتكافئة”. يخشى المزارعون من تدفق كميات ضخمة من لحوم الأبقار والدواجن والمنتجات الزراعية من أميركا الجنوبية بأسعار منخفضة جداً. ويستند هذا القلق إلى حقيقة أن الإنتاج في دول ميركوسور لا يخضع لنفس المعايير البيئية والصحية الصارمة التي يفرضها الاتحاد الأوروبي على مزارعيه، مما يقلل من تكلفة الإنتاج هناك ويجعل المنافسة مستحيلة بالنسبة للمنتج الأوروبي.
الانقسام الأوروبي والمصالح المتضاربة
أحدث الاتفاق شرخاً واضحاً داخل البيت الأوروبي؛ فبينما تقود فرنسا وإيرلندا وبولندا جبهة المعارضة دفاعاً عن قطاعاتها الزراعية الحيوية، تدفع دول صناعية كبرى مثل ألمانيا وإسبانيا بقوة نحو إتمام الاتفاق. ترى الدول المؤيدة أن الاتفاق سيعيد تنشيط الاقتصاد الأوروبي المتعثر من خلال فتح أسواق جديدة للصادرات الصناعية الأوروبية، لا سيما السيارات والآلات والمعدات، بالإضافة إلى قطاعات الخدمات، وهو ما يخلق توازاً صعباً بين مصالح القطاع الصناعي ومخاوف القطاع الزراعي.
ماذا بعد الموافقة؟
رغم الضوء الأخضر المبدئي، لا يزال الطريق طويلاً أمام دخول الاتفاق حيز التنفيذ الكامل. إذ يتعين عرض الاتفاق بصيغته النهائية على البرلمان الأوروبي للتصويت عليه، وهي مرحلة يتوقع المراقبون أن تشهد تجاذبات سياسية حادة. وقد دعت جمعية المزارعين الإيرلنديين النواب الأوروبيين إلى تحمل مسؤولياتهم ورفض التصديق على الاتفاق، واصفة الخطوة الحالية بأنها “مخيبة للآمال”، في حين أكد نائب رئيس الوزراء الإيرلندي سايمون هاريس استمرار حكومته في التعبير عن مخاوفها المشروعة على كافة الأصعدة.


