أسدل الستار في العاصمة الإماراتية أبوظبي، يوم السبت، على الجلسة الثانية من المحادثات الثلاثية رفيعة المستوى التي جمعت وفوداً دبلوماسية من أوكرانيا وروسيا والولايات المتحدة الأمريكية. وجاء تأكيد انتهاء الجلسة على لسان ديانا دافيتيان، المتحدثة الرسمية باسم كبير المفاوضين الأوكرانيين ووزير الدفاع رستم عمروف، التي أجابت بـ “نعم” رداً على استفسارات الصحفيين حول ختام الاجتماع، في حين ذكرت وكالات الأنباء الروسية الرسمية أن وفد موسكو قد عاد بالفعل إلى مقر إقامته في الفندق، مما يشير إلى انتهاء جدول أعمال هذا اليوم من المباحثات الحساسة.
سياق المفاوضات وخطة ترامب للسلام
تكتسب هذه الجولة من المحادثات أهمية استراتيجية قصوى، كونها تمثل أول مفاوضات علنية ومباشرة تجلس فيها الأطراف الثلاثة (موسكو، كييف، واشنطن) على طاولة واحدة لمناقشة مسارات الحل السياسي. وتأتي هذه التحركات في إطار الدفع بخطة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الرامية لإنهاء الحرب المستمرة منذ قرابة أربع سنوات. وتسعى هذه المبادرة الدبلوماسية إلى كسر الجمود العسكري والسياسي الذي سيطر على المشهد لفترة طويلة، وسط ترقب دولي لنتائج هذه المباحثات التي قد ترسم ملامح نظام أمني جديد في أوروبا الشرقية وتحدد مستقبل العلاقات الدولية للسنوات القادمة.
خلفية الصراع والتعقيدات التاريخية
منذ اندلاع العملية العسكرية الروسية في أوكرانيا في فبراير 2022، شهدت الساحة الدولية تحولات جيوسياسية عميقة وتوترات غير مسبوقة منذ الحرب الباردة. وقد مرت محاولات التسوية بمراحل متعثرة عديدة، بدءاً من مفاوضات بيلاروسيا وتركيا في الأسابيع الأولى للحرب، وصولاً إلى الانقطاع التام للقنوات الدبلوماسية المباشرة. وتأتي محادثات أبوظبي في توقيت حرج تعاني فيه الجبهات من استنزاف عسكري كبير لكلا الطرفين، وتدمير واسع للبنية التحتية، مما يجعل البحث عن مخارج سياسية ضرورة ملحة، رغم التباين الشاسع في وجهات النظر بين الطرفين المتحاربين.
العقبات الرئيسية: معضلة دونباس
على الرغم من انطلاق الحوار، لا تزال العقبات الميدانية والسياسية تلقي بظلالها على المشهد. فقد جددت روسيا، قبيل انطلاق المحادثات، تمسكها الصارم بمطالبها الرئيسية، وعلى رأسها انسحاب القوات الأوكرانية من منطقة دونباس الشرقية بالكامل، وهو شرط لطالما اعتبرته كييف خطاً أحمر يمس سيادتها ووحدة أراضيها. هذا التباين الجوهري في المواقف يضع المفاوضين أمام تحديات صعبة لإيجاد صيغة توافقية تضمن الأمن لروسيا والسيادة لأوكرانيا، وهو ما يجعل سقف التوقعات حذراً بشأن تحقيق اختراق سريع.
الدور الإماراتي وتأثيرات الحدث عالمياً
يعكس اختيار أبوظبي مقراً لهذه المحادثات التاريخية نجاح الدبلوماسية الإماراتية في ترسيخ مكانتها كوسيط دولي نزيه ومقبول من كافة الأطراف الفاعلة. فقد لعبت دولة الإمارات سابقاً أدواراً محورية في ملفات تبادل الأسرى بين موسكو وكييف، مما مهد الطريق لاستضافة هذا الحدث السياسي الأبرز. وعلى الصعيد الدولي، تتجه أنظار العالم إلى هذه المفاوضات نظراً لتأثيراتها المباشرة على الاقتصاد العالمي، وأسواق الطاقة، وسلاسل الإمداد الغذائي، حيث يأمل المجتمع الدولي أن تؤدي هذه الجهود إلى تبريد بؤر التوتر وتجنيب العالم المزيد من التداعيات الاقتصادية والإنسانية الكارثية.


