أكد خبراء ومختصون في الأمراض المعدية والصحة العامة أن فيروس “نيباه” (Nipah virus) يمثل أحد أخطر التهديدات الفيروسية حيوانية المنشأ على مستوى العالم، وذلك بسبب معدل وفياته المرتفع الذي يتراوح بين 40% و75%، وقدرته على إحداث مضاعفات عصبية وتنفسية حادة. ورغم تصنيفه كفيروس نادر وصعوبة انتقاله بين البشر، إلا أن الجاهزية الصحية العالمية وأنظمة الترصد الوبائي تظل خط الدفاع الأول لمواجهة أي تفشيات محتملة وحصار انتشارها.
السياق التاريخي لفيروس نيباه
تم اكتشاف فيروس نيباه لأول مرة عام 1999، بعد تفشٍ شهير وقع بين مربي الخنازير في ماليزيا وسنغافورة. وأوضح استشاري الأمراض المعدية، الدكتور عليان آل عليان، أن هذا التفشي أدى إلى إصابة حوالي 300 شخص ووفاة أكثر من 100 منهم، مما استدعى إعدام أكثر من مليون خنزير للسيطرة على الوباء. ومنذ ذلك الحين، لم تسجل أي حالات جديدة في البلدين. انتقل مركز نشاط الفيروس لاحقًا إلى جنوب آسيا، حيث سُجلت أولى الحالات في بنغلاديش والهند عام 2001. ومنذ ذلك الوقت، تشهد هاتان الدولتان تفشيات متفرقة بشكل شبه سنوي، غالبًا ما ترتبط باستهلاك عصارة نخيل التمر الخام الملوثة بلعاب أو بول خفافيش الفاكهة، التي تُعتبر المستودع الطبيعي للفيروس.
أهمية الحدث وتأثيره المحتمل
تكمن خطورة فيروس نيباه في كونه مدرجًا على قائمة منظمة الصحة العالمية للأمراض ذات الأولوية التي تتطلب أبحاثًا وتطويرًا عاجلاً، نظرًا لقدرته على التسبب في أوبئة مستقبلية. وأشارت أستاذة الصحة العامة ومكافحة الأوبئة، الدكتورة نبيلة آل عبدالله، إلى أن الفيروس عالي الخطورة وبائيًا بسبب معدل الوفيات المرتفع وقدرته المحدودة على الانتقال بين البشر، خاصة في البيئات الصحية عند غياب إجراءات مكافحة العدوى الصارمة. وعلى الصعيد الدولي، يثير أي تفشٍ جديد قلقًا من احتمال تحور الفيروس ليصبح أكثر قدرة على الانتقال بين البشر، مما قد يؤدي إلى جائحة عالمية.
الأعراض وطرق الانتقال
أوضحت استشارية الأمراض المعدية، الدكتورة حوراء البيات، أن فترة حضانة الفيروس تتراوح عادة بين 4 و14 يومًا، وقد تمتد في حالات نادرة إلى 45 يومًا. تبدأ الأعراض الأولية بشكل مشابه للإنفلونزا، وتشمل:
- الحمى والصداع الشديد.
- آلام العضلات والتهاب الحلق.
- القيء والدوار.
لاحقًا، قد تتطور الحالة بسرعة لتشمل أعراضًا عصبية خطيرة تشير إلى التهاب الدماغ الحاد، مثل النعاس، وتغير مستوى الوعي، والتشنجات، وقد تصل إلى غيبوبة خلال 24 إلى 48 ساعة. كما يعاني بعض المرضى من التهاب رئوي غير نمطي ومشاكل تنفسية حادة. وأكد استشاري طب الطوارئ، الدكتور باسم البحراني، أن هذا التطور السريع يجعل التشخيص المبكر والتدخل الفوري أمرين حاسمين.
الجاهزية الصحية في المملكة
على الرغم من أن خطر انتقال الفيروس إلى المملكة يظل منخفضًا، شددت الدكتورة نبيلة آل عبدالله على أن كثافة السفر، خصوصًا خلال مواسم الحج والعمرة، تتطلب جاهزية مستمرة. وأكد الخبراء أن المملكة تمتلك أنظمة صحية قوية وبروتوكولات استجابة سريعة لأي أمراض معدية مشتبه بها. يتم تفعيل هذه البروتوكولات في جميع المنافذ البرية والجوية والبحرية، مع تعميم الإجراءات على كافة المنشآت الصحية لضمان الإبلاغ الفوري والعزل السريع ومنع أي انتشار محتمل. وأضاف الدكتور علي الشهري، استشاري الأمراض المعدية، أن الوعي والالتزام بتعليمات المؤسسات الصحية، وتجنب المناطق الموبوءة، يمثلان خط الدفاع الأول للمجتمع.
الوقاية والعلاج
حتى الآن، لا يوجد علاج نوعي معتمد أو لقاح متاح لفيروس نيباه، وتقتصر الرعاية الطبية على العلاج الداعم للأعراض والمضاعفات. لذلك، تتركز الجهود على الوقاية، والتي تشمل:
- تجنب الاتصال المباشر بالخفافيش أو الخنازير المريضة.
- عدم استهلاك الفواكه التي تظهر عليها آثار قضم الحيوانات أو عصارة نخيل التمر الخام في المناطق الموبوءة.
- تطبيق إجراءات صارمة لمكافحة العدوى في المستشفيات، بما في ذلك استخدام معدات الوقاية الشخصية الكاملة عند التعامل مع الحالات المشتبه بها أو المؤكدة.
- غسل اليدين جيدًا بالماء والصابون بعد التعامل مع أي حيوانات.


