أعلن المهندس ماجد أبو زاهرة، رئيس الجمعية الفلكية بجدة، أن السماء ستشهد يوم الخميس 22 يناير 2026 حدثاً فلكياً هاماً يتعلق بحركة الكواكب الداخلية، حيث يصل كوكب الزهرة إلى نقطة “الأوج الشمسي”، وهي أبعد نقطة له عن الشمس في مداره السنوي.
وأوضح أبو زاهرة أن كوكب الزهرة، الذي يُصنف كثاني أقرب كواكب المجموعة الشمسية إلى النجم الأم، سيصل في هذا التوقيت إلى مسافة تبلغ حوالي 109 ملايين كيلومتر من الشمس. ورغم أن مدار الزهرة يُعد الأكثر دائرية بين جميع الكواكب (بمعامل تباعد مركزي منخفض جداً)، إلا أنه لا يزال يتبع قوانين كبلر للحركة الكوكبية، مما يعني وجود فارق، وإن كان طفيفاً، بين أقرب نقطة (الحضيض) وأبعد نقطة (الأوج) في مداره حول الشمس.
لماذا يتعذر رصد الحدث؟
أكد رئيس الجمعية الفلكية أن هذا الحدث الفلكي، رغم أهميته في الحسابات المدارية، لن يكون مرئياً للراصدين من سطح الأرض، سواء بالعين المجردة أو حتى باستخدام التلسكوبات والمناظير الفلكية. ويعود السبب الرئيسي في ذلك إلى الموقع الظاهري للكوكب بالنسبة للشمس؛ حيث سيكون الزهرة في حالة اقتران زاوي قريب جداً من الشمس، مما يجعله مغموراً كلياً في وهج ضوء النهار الساطع.
وحذر أبو زاهرة من أي محاولات لرصد الكوكب في هذا التوقيت، مشيراً إلى أن توجيه المناظير أو التلسكوبات نحو المنطقة المحيطة بالشمس يشكل خطراً جسيماً على شبكية العين قد يؤدي إلى العمى الدائم. وأضاف أن الاستطالة الزاوية الصغيرة للكوكب تجعل رصده مستحيلاً بعد الغروب أو قبل الشروق، حيث يغيب ويشرق مع الشمس تقريباً.
الأهمية العلمية والميكانيكا السماوية
في سياق التوسع حول أهمية هذا الحدث، تجدر الإشارة إلى أن ظاهرة الأوج الشمسي ليست مجرد رقم في التقويم الفلكي، بل هي تجسيد حي لقوانين الميكانيكا السماوية التي تحكم نظامنا الشمسي. يُعد تتبع هذه النقاط المدارية (الأوج والحضيض) أمراً حيوياً لتحديث البيانات الفلكية المعروفة بـ “الزيج” (Ephemeris)، والتي تعتمد عليها وكالات الفضاء في حساب مسارات المركبات الفضائية بدقة متناهية، خاصة تلك التي تستخدم كوكب الزهرة كمحطة للمساعدة بالجاذبية (Gravity Assist) للوصول إلى وجهات أبعد في النظام الشمسي.
علاوة على ذلك، يوفر هذا الحدث فرصة للعلماء والمختصين لمقارنة الديناميكيات المدارية لكوكب الزهرة مع كوكب الأرض. فبينما يمتلك الزهرة مداراً شبه دائري تماماً، نجد أن مدارات كواكب أخرى مثل عطارد والمريخ أكثر بيضاويّة، مما يجعل الفارق بين الأوج والحضيض لديها كبيراً ومؤثراً بشكل ملحوظ على مناخها، وهو ما يختلف في حالة الزهرة حيث يظل تأثير البعد عن الشمس على مناخه السطحي محدوداً مقارنة بتأثير غلافه الجوي الكثيف والاحتباس الحراري الهائل.
واختتم المهندس ماجد أبو زاهرة حديثه بالتأكيد على أن النظام الشمسي يعمل بدقة تشبه دقة الساعة الكونية، وأن مثل هذه الأحداث غير المرصودة تذكرنا بالانتظام المذهل الذي يسير عليه الكون، وتبرز أهمية الحسابات الفلكية النظرية التي تتيح لنا “رؤية” وفهم ما تحجبه عنا أشعة الشمس الساطعة.


