تُستأنف في العاصمة الألمانية برلين، صباح اليوم الاثنين، جولة جديدة وحاسمة من المباحثات الأمريكية الأوكرانية، وذلك بعد الإعلان عن تحقيق “تقدم كبير” في الجهود الدبلوماسية الرامية لإنهاء الحرب مع روسيا. وتأتي هذه الجولة وسط حراك سياسي مكثف ومتابعة دولية دقيقة، لما قد تسفر عنه من نتائج قد تعيد رسم ملامح الأمن في القارة الأوروبية.
وكان المبعوث الرئاسي الأمريكي ستيف ويتكوف قد أكد يوم الأحد، عقب اجتماع مطول استمر لأكثر من خمس ساعات مع الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، أن المحادثات شهدت تقدماً ملحوظاً. الاجتماع، الذي شارك فيه أيضاً جاريد كوشنر، صهر الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، ركز بشكل معمق على بنود خطة سلام مقترحة من 20 نقطة، بالإضافة إلى مناقشة برامج الدعم الاقتصادي وقضايا استراتيجية أخرى.
السياق التاريخي والأهمية الاستراتيجية
تأتي هذه المحادثات في سياق الصراع الممتد الذي بدأ مع الغزو الروسي الشامل لأوكرانيا في فبراير 2022، والذي شكل تصعيداً كبيراً للقتال الدائر في منطقة دونباس منذ عام 2014. على مدار العامين الماضيين، شهدت الحرب دماراً هائلاً وأزمة إنسانية غير مسبوقة في أوروبا منذ الحرب العالمية الثانية. وقد فشلت عدة محاولات دبلوماسية سابقة في التوصل إلى حل دائم، مما جعل المجتمع الدولي، بقيادة الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، يفرض عقوبات اقتصادية صارمة على روسيا ويقدم دعماً عسكرياً ومالياً ضخماً لأوكرانيا لتعزيز قدرتها على الدفاع عن سيادتها.
التأثير المتوقع على الساحة الدولية
تكتسب هذه الجولة من المفاوضات أهمية استثنائية نظراً لتأثيرها المحتمل على المستويات المحلية والإقليمية والدولية. فعلى الصعيد الأوكراني، يمثل أي اتفاق سلام فرصة لوقف نزيف الدماء والبدء في مرحلة إعادة الإعمار، ولكنه يثير في الوقت نفسه مخاوف جدية بشأن التنازلات الإقليمية المحتملة. أما إقليمياً، فإن نتائج المحادثات ستعيد تشكيل هيكل الأمن الأوروبي، حيث تسعى الدول الأوروبية لضمان دور فاعل لها في أي تسوية لتجنب تهميش مصالحها الأمنية. ودولياً، يراقب العالم هذه الجهود عن كثب، حيث إن إنهاء الحرب قد يساهم في استقرار أسواق الطاقة والغذاء العالمية ويضع حداً لأحد أخطر التحديات التي تواجه النظام العالمي.
تنسيق أوروبي ومخاوف مشتركة
بالتزامن مع المباحثات الثنائية، من المقرر أن تستضيف برلين مساء اليوم الاثنين اجتماعاً يضم عدداً من القادة الأوروبيين بهدف تنسيق المواقف. وتتركز الجهود الأوروبية على محاولة إدخال تعديلات على الخطة الأمريكية، التي ترى كييف وبعض العواصم الأوروبية أنها قد تميل في صيغتها الحالية لمصلحة موسكو. وتكمن الخشية الأوروبية الكبرى في إمكانية استبعاد القارة من ترتيبات الأمن القاري المستقبلية أو تخلي واشنطن عن التزاماتها بدعم أوكرانيا على المدى الطويل.
وفي هذا الإطار، شدد الرئيس الأوكراني زيلينسكي على أنه يسعى لإقناع واشنطن بدعم مقترح لوقف إطلاق النار يقوم على تجميد خطوط المواجهة الحالية، دون تقديم تنازلات إقليمية مسبقة، خاصة في إقليم دونباس. كما جدد مطالبة بلاده بضمانات أمنية قوية من الولايات المتحدة وأوروبا، تكون مستوحاة من المادة الخامسة لحلف شمال الأطلسي، لمنع تكرار أي عدوان روسي مستقبلاً، معتبراً أن عدم طلب الانضمام الرسمي للناتو يمثل تنازلاً من جانب كييف.


