في تصريحات تعكس تحولاً جوهرياً في النظرة إلى التحالفات التقليدية عبر الأطلسي، دعت تركيا، العضو البارز في حلف شمال الأطلسي (الناتو)، القارة الأوروبية إلى ضرورة الخروج من عباءة الحماية الأمريكية والبدء في تحمل مسؤولياتها الأمنية بشكل مباشر. جاء ذلك على لسان وزير الخارجية التركي، هاكان فيدان، خلال مشاركته في مؤتمر رفيع المستوى بالعاصمة البرتغالية لشبونة، حيث سلط الضوء على التحديات الوجودية التي تواجه القارة العجوز.
نهاية حقبة الاعتماد الكلي على واشنطن
أكد فيدان أن المعطيات الجيوسياسية العالمية قد تغيرت بشكل جذري، مشيراً إلى أن الحرب المستمرة في أوكرانيا وتغير الأولويات الاستراتيجية للولايات المتحدة الأمريكية لم يعد يترك للدول الأوروبية خياراً سوى الاعتماد على الذات. وأوضح الوزير التركي في كلمته التي نقلها بيان للخارجية التركية أن "ضمان أمن بيتنا الداخلي هو ضرورة وجودية"، مشدداً بصيغة الجمع "بصفتنا أوروبيين" على أنه لا يمكن الاستمرار في تفويض الأمن الأوروبي لطرف خارجي، في إشارة واضحة إلى المظلة الأمنية الأمريكية التي استندت إليها أوروبا منذ نهاية الحرب العالمية الثانية.
انتقاد الإقصاء الأوروبي لتركيا
لم تخلُ تصريحات الوزير التركي من العتب والانتقاد اللاذع للسياسات الأوروبية تجاه أنقرة. فقد ندد فيدان باستمرار استبعاد تركيا -التي تمتلك ثاني أكبر جيش في الناتو- من الأطر الأمنية والدفاعية للاتحاد الأوروبي، رغم كونها دولة مرشحة رسمياً للانضمام للتكتل منذ سنوات طويلة.
وأشار فيدان إلى أن هذا الإقصاء يعود لأسباب سياسية لا تخدم المصلحة العامة، قائلاً: "على الرغم من التزامات تركيا الرسمية بالتعاون مع حلفاء من خارج الاتحاد، تم استبعادنا لسنوات من معادلات الدفاع الأوروبية". وعزا ذلك بوضوح إلى ما وصفه بـ "الأجندات الوطنية الضيقة لعدد قليل من الدول الأعضاء" التي تأخذ المصالح الاستراتيجية العليا لأوروبا رهينة لحساباتها الخاصة، في تلميح للتوترات السياسية التاريخية التي تعرقل التعاون الكامل.
السياق الاستراتيجي وأهمية التوقيت
تكتسب هذه الدعوة التركية أهمية خاصة في ظل السياق الدولي الراهن؛ حيث تواجه أوروبا تحديات أمنية غير مسبوقة على حدودها الشرقية. ويرى محللون استراتيجيون أن دعوة أنقرة تحمل في طياتها تذكيراً بالثقل العسكري والجيوستراتيجي الذي يمكن أن تقدمه تركيا للأمن الأوروبي إذا ما تم تجاوز الخلافات السياسية.
فمع التوجه الأمريكي المتزايد نحو منطقة المحيطين الهندي والهادئ (Indo-Pacific) لمواجهة النفوذ الصيني، وتصاعد الأصوات داخل واشنطن التي تطالب أوروبا بدفع فاتورة حمايتها، باتت الحاجة ملحة لأوروبا لبناء منظومة دفاعية أكثر استقلالية. وتؤكد تركيا من خلال هذه التصريحات أن أي هيكل أمني أوروبي فعال لا يمكن أن يكتمل دون دمج القوة العسكرية التركية وموقعها الاستراتيجي الذي يربط الشرق بالغرب، مما يجعل التعاون الأمني ضرورة حتمية للطرفين وليس خياراً ترفيهياً.


