في خطوة تُنذر بتحول جذري في مسار السياسة النقدية للولايات المتحدة، وضع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب معايير جديدة وحاسمة لاختيار خليفة جيروم باول في رئاسة الاحتياطي الفيدرالي. ومع اقتراب انتهاء ولاية باول في مايو المقبل، كشف ترامب عن رغبته في تعيين شخصية لا تكتفي بالكفاءة الاقتصادية فحسب، بل تمتلك المرونة الكافية "للاستماع" إلى رؤى البيت الأبيض، في تحدٍ صريح للأعراف التقليدية التي تحكم العلاقة بين الرئاسة والبنك المركزي.
معايير الاختيار: الولاء للرؤية الاقتصادية
تجري إدارة ترامب حالياً عملية تدقيق مكثفة لملفات المرشحين المحتملين، وسط تقارير تشير إلى سعي الإدارة لفرض نفوذ أكبر على المؤسسة المالية الأهم في العالم. وفي حديثه لصحيفة "وول ستريت جورنال"، أوضح ترامب أن القائمة المختصرة تتصدرها أسماء بارزة مثل كيفن وارش، عضو مجلس المحافظين السابق، وكيفن هاسيت، المستشار الاقتصادي السابق للبيت الأبيض. وأكد الرئيس أن المعيار الجوهري ليس الطاعة العمياء، بل "الذكاء في الاستماع"، مشيراً إلى أنه يرى نفسه صوتاً اقتصادياً يجب أن يُؤخذ بعين الاعتبار عند صياغة القرارات النقدية.
السياق التاريخي: استقلالية الفيدرالي على المحك
لفهم خطورة هذا التوجه، يجب النظر إلى السياق التاريخي لتأسيس بنك الاحتياطي الفيدرالي عام 1913. فقد صُمم البنك ليكون مؤسسة مستقلة (Quasi-independent) محصنة ضد الضغوط السياسية قصيرة الأجل، وذلك لضمان قدرته على اتخاذ قرارات صعبة -مثل رفع الفائدة لكبح التضخم- دون الخوف من الغضب الشعبي أو خسارة الانتخابات. تاريخياً، احترم الرؤساء الأمريكيون هذه المسافة لضمان مصداقية الدولار والأسواق المالية. إلا أن نهج ترامب الحالي يعيد إحياء جدل قديم حول مدى السلطة التي يجب أن يمتلكها الرئيس المنتخب على السياسة النقدية، مما يثير مخاوف الاقتصاديين من تسييس القرارات المالية.
حلم الفائدة المنخفضة: استراتيجية الـ 1%
لم يخفِ ترامب طموحه الجريء للعودة بأسعار الفائدة إلى مستويات متدنية للغاية، مصرحاً برغبته في رؤيتها عند مستوى 1% أو أقل. ويستند هذا الطموح إلى منطق اقتصادي يخدم أجندته المالية؛ حيث يؤدي خفض الفائدة إلى تقليص تكلفة خدمة الدين العام الأمريكي المتضخم بشكل هائل، مما يمنح الحكومة مساحة مالية أكبر للإنفاق أو خفض الضرائب دون تفاقم العجز بشكل فوري. ويرى ترامب أن المرشح كيفن وارش يشاركه هذا التوجه نحو التيسير النقدي، مما يجعله خياراً مفضلاً.
التداعيات الاقتصادية والجيوسياسية المتوقعة
إن التحول نحو سياسة نقدية خاضعة لتوجيهات البيت الأبيض وتستهدف خفضاً حاداً للفائدة يحمل تأثيرات عميقة تتجاوز الحدود الأمريكية:
- مخاطر التضخم المحلي: يحذر الخبراء من أن الخفض المصطنع للفائدة دون مبررات اقتصادية بحتة قد يؤدي إلى إعادة إشعال فتيل التضخم، مما يهدد القوة الشرائية للمواطن الأمريكي ويعيد سيناريوهات السبعينيات الاقتصادية الصعبة.
- هيمنة الدولار عالمياً: يعتبر الدولار عملة الاحتياط الأولى عالمياً، وأي خفض حاد للفائدة سيؤدي بالتبعية إلى إضعاف قيمة الدولار أمام العملات الرئيسية. ورغم أن هذا قد يدعم الصادرات الأمريكية، إلا أنه قد يزعزع ثقة المستثمرين الأجانب في السندات الأمريكية ويخلق حالة من عدم اليقين في الأسواق الناشئة التي تعتمد عملاتها على الدولار.
بورصة التوقعات وردود فعل الأسواق
تفاعلت أسواق المال ومنصات التنبؤ بسرعة مع هذه الأنباء، حيث شهدت حظوظ المرشحين تقلبات ملحوظة. تراجعت احتمالية اختيار كيفن هاسيت نسبياً، بينما صعد نجم كيفن وارش كمرشح أوفر حظاً. وتظل القائمة مفتوحة لتشمل أسماء أخرى مثل كريستوفر والر وميشيل بومان، في وقت يترقب فيه العالم كيف سيتعامل الفيدرالي في اجتماعاته القادمة مع هذه الضغوط المتزايدة، خاصة بعد خفضه الأخير للفائدة بمقدار ربع نقطة مئوية وسط حالة من الحذر الشديد.


