في خطوة تصعيدية تعكس تحولاً نوعياً في السياسة المالية السويسرية تجاه الأنظمة المثيرة للجدل، أعلنت الحكومة السويسرية (المجلس الفدرالي)، اليوم الاثنين، عن قرارها الحاسم بتجميد أي أصول يملكها الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو والمقربون منه داخل الأراضي السويسرية، مشددة على أن القرار يسري "بأثر فوري".
وجاء في البيان الرسمي الصادر عن الحكومة أن هذا الإجراء يهدف بشكل أساسي إلى "منع تحويل الأصول إلى الخارج"، مما يقطع الطريق أمام أي محاولات لتهريب الأموال في ظل الضغوط الدولية المتزايدة. وأكدت برن التزامها الأخلاقي والقانوني، موضحة أنه "إذا كشفت أي إجراءات قانونية مستقبلية أنه تم الحصول على الأموال بشكل غير شرعي، فستسعى سويسرا لضمان توظيف هذه الأموال بما يصب في مصلحة الشعب الفنزويلي".
سياق الأزمة الفنزويلية والموقف الدولي
لا يأتي القرار السويسري من فراغ، بل يُعد حلقة جديدة في سلسلة من الضغوط الدولية التي تواجهها كاراكاس منذ سنوات. تعيش فنزويلا أزمة سياسية واقتصادية خانقة، تمثلت في تضخم مفرط، ونقص حاد في المواد الغذائية والدوائية، واضطرابات سياسية شككت في شرعية الانتخابات الرئاسية. وقد دفع هذا الوضع الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة الأمريكية إلى فرض حزم متتالية من العقوبات الاقتصادية والدبلوماسية على نظام مادورو.
وعلى الرغم من حياد سويسرا التقليدي، إلا أنها في السنوات الأخيرة بدأت تواءم سياساتها العقابية مع الاتحاد الأوروبي، خاصة فيما يتعلق بانتهاكات حقوق الإنسان وتقويض الديمقراطية. ويُعد استهداف رأس النظام الفنزويلي مباشرة رسالة قوية بأن المؤسسات المالية السويسرية لم تعد ملاذاً آمناً للأموال المشكوك في مصادرها والمرتبطة بأنظمة سياسية تواجه اتهامات دولية.
الأهمية الاستراتيجية وتأثير القرار
يكتسب هذا القرار أهميته من مكانة سويسرا كمركز مالي عالمي؛ فتجميد الأصول فيها يمثل ضربة معنوية واقتصادية موجعة للنظام الفنزويلي. وتتجاوز تداعيات هذا القرار الجانب المادي لتشمل الآتي:
- محلياً في فنزويلا: قد لا يؤدي القرار إلى انهيار فوري للنظام، لكنه يقلص الخيارات المالية المتاحة للنخبة الحاكمة، ويزيد من عزلتها، مما قد يضعف ولاء بعض الأطراف الداخلية التي تعتمد على التدفقات المالية الخارجية.
- دولياً: يعزز هذا الإجراء الجبهة الدولية الموحدة ضد ممارسات نظام مادورو، ويشجع دولاً أخرى مترددة على اتخاذ خطوات مماثلة، مما يضيق الخناق المالي على كاراكاس.
- قانونياً: يفتح البيان السويسري الباب أمام معارك قانونية مستقبلية لاسترداد الأموال المنهوبة، وهو ما يمثل بارقة أمل للمعارضة الفنزويلية وللمنظمات الحقوقية التي تسعى لإعادة ثروات البلاد المبددة إلى الشعب.
ختاماً، يُظهر التحرك السويسري أن الحصانة المالية التي كان يتمتع بها القادة السياسيون في البنوك السويسرية باتت جزءاً من الماضي، وأن المعايير الدولية للشفافية وحقوق الإنسان أصبحت محركاً أساسياً حتى للدول التي تتبنى الحياد السياسي.


