شهدت الأسواق المحلية والعالمية تحولات جوهرية في سلوك المستهلكين والمستثمرين خلال الفترة الأخيرة، حيث سجلت أسعار الفضة ارتفاعات قياسية غير مسبوقة. يأتي هذا الصعود القوي مدفوعاً ببحث المتعاملين عن بدائل استثمارية مرنة وأقل تكلفة مقارنة بالمعدن الأصفر، مما أعاد تشكيل خارطة الاقتناء والادخار للمعادن النفيسة في المنطقة.

السياق الاقتصادي وصعود المعدن الأبيض
تاريخياً، لطالما اعتبرت الفضة “ذهب الفقراء” والملاذ الثاني بعد الذهب في أوقات الأزمات الاقتصادية والتضخم. ومع الصعود المستمر لأسعار الذهب ووصوله لمستويات قد تكون بعيدة عن متناول صغار المستثمرين، اتجهت السيولة نحو الفضة. هذا التحول ليس محلياً فحسب، بل يعكس توجهاً عالمياً حيث تكتسب الفضة قيمتها ليس فقط كمعدن ثمين، بل كمادة خام أساسية في العديد من الصناعات التكنولوجية الحديثة والطاقة النظيفة، مما يعزز من فرص نمو أسعارها مستقبلاً.
وفي هذا السياق، كشف استطلاع ميداني أجرته صحيفة ”اليوم“ عن تنامي الإقبال على الفضة بشكل ملحوظ في الأسواق السعودية. وأكد “المعتصم عبدالله”، أحد المتعاملين في السوق، أن السبائك والريالات الفضية باتت الخيار المفضل للاستثمار حالياً، معللاً ذلك بانخفاض نسبة المخاطرة والخسارة فيها عند البيع، والتي تتراوح عادة بين 10 إلى 20% مقارنة بالمجوهرات المشغولة، مما يجعلها وعاءً ادخارياً جيداً.

الفضة كملاذ آمن وبديل استثماري
يرى المختصون الاقتصاديون أن الفضة نجحت في التحول إلى ملاذ آمن لشريحة واسعة من العملاء الذين يرغبون في حفظ قيمة أموالهم. وقد أصبحت خياراً جذاباً للادخار والاقتناء، سواء كان ذلك للاستخدام الشخصي كزينة أو كأداة استثمارية بديلة تواكب الموجة التضخمية العالمية.
من جهته، أوضح المختص “طاهر الأربش” أن الذهب لا يزال يتربع على عرش الملاذات الآمنة نظراً لسرعة ارتفاعه ومحدودية انخفاضه واستقراره التاريخي. ومع ذلك، وصف الأربش الاستثمار في الفضة بـ “الخطوة الواعدة”، مشيراً إلى أنها ساحة جديدة نسبياً قد تحمل عوائد مجزية، لكنها محفوفة ببعض المخاطر الناتجة عن تذبذب الأسعار.
طاهر الأربش
ونصح “الأربش” صغار المستثمرين، وتحديداً أولئك الذين لا يملكون سيولة كافية لشراء الذهب، بالتوجه نحو الفضة، شريطة التحلي بالصبر والنظر إلى العوائد على المدى الطويل، وعدم التسرع في البيع لجني الأرباح السريعة، وذلك لضمان عدم تفويت الفرص المحتملة في هذا المعدن الصاعد.

علاقة طردية وتضخم في الأسعار
وفي سياق متصل، أوضح “عبد الله المحمد علي” أن حركة أسعار الفضة ترتبط بشكل طردي مع حركة الذهب، فكلما ارتفع المعدن الأصفر لحقت به الفضة، لكنها لا تعد بديلاً كاملاً عنه نظراً للفارق الكبير في القيمة السوقية وحجم التداول. وأشار إلى أن الارتفاعات الأخيرة عززت ثقة العملاء بعياري 21 و24 في الذهب، وبالمقابل زادت من جاذبية السبائك الفضية.
عبدالله المحمد علي
وعن التأثير المباشر على المستهلك النهائي، أشار “راضي الدجاني” إلى أن التغيرات السعرية طالت زينة الرجال بشكل واضح. وكشف الدجاني عن قفزة كبيرة في الأسعار، حيث ارتفع سعر خاتم الفضة من 100 ريال إلى 300 ريال في فترة وجيزة، وهو ما يعكس حجم التضخم والطلب المتزايد على المعدن الأبيض.

ورفض “الدجاني” تقديم نصيحة استثمارية قاطعة في الوقت الراهن نظراً لضبابية الأوضاع الاقتصادية العالمية وتقلبات الأسواق، مكتفياً بالإشارة إلى أن السبائك بمختلف أوزانها تظل الخيار الأفضل والأكثر أماناً لمن يرغب في دخول هذا السوق حالياً.
مستقبل الاستثمار في المعادن
على الرغم من هذا الإقبال، أكد “محيميد الخلافي” أن القناعة الراسخة بأن «الذهب ذهب» ما زالت مسيطرة على الوعي الجمعي للمجتمع، حيث يبقى المعدن الأصفر هو الملاذ الأكثر ثقة واستقراراً عبر الزمن، رغم أن القفزات السعرية دفعت الكثيرين لتجربة الفضة.
محيميد الحلافي
واختتم “نجيب الدوسري” المشهد بالتأكيد على أن الفضة بدأت تأخذ مكانة «الخزينة» لدى شريحة واسعة من المواطنين والمقيمين، مع تنوع مصادرها في السوق المحلي بين الإيرانية واليمنية والهندية، مما جعلها منافساً حاضراً بقوة في ذهن المستهلك كخيار ادخاري متاح للجميع، خاصة في ظل التوقعات باستمرار تذبذب الاقتصاد العالمي.
نجيب الدوسري


