أصدرت الهيئة السعودية للمياه إطاراً تنظيمياً جديداً وشاملاً يحدد قواعد الشراء بالجملة لخدمات المياه والصرف الصحي، في خطوة تهدف إلى حوكمة العلاقة بين مقدمي الخدمة والمستفيدين الكبار، وضمان استدامة الموارد المائية وتعزيز الشفافية في التكاليف التشغيلية.
سياق التحول في قطاع المياه
يأتي هذا التحرك التنظيمي في وقت يشهد فيه قطاع المياه في المملكة العربية السعودية تحولات جذرية تتماشى مع مستهدفات رؤية المملكة 2030، والاستراتيجية الوطنية للمياه التي تركز على استدامة الموارد ورفع كفاءة التشغيل. وتعمل الهيئة السعودية للمياه، بصفتها الجهة المنظمة، على سد الفجوات التنظيمية في المجمعات المغلقة والمنشآت الكبرى، لضمان وصول الخدمة بجودة عالية وأسعار عادلة، مما يعكس نضج البيئة التشريعية للقطاع.
تفاصيل القواعد الجديدة
تهدف القواعد المعتمدة حديثاً إلى رفع كفاءة عمليات الإيصال والتوزيع الذاتي داخل المنشآت الكبرى، مع تحديد دقيق للمسؤوليات المالية والفنية لجميع الأطراف. وتسري هذه القواعد على كافة «كبار المستفيدين» وفق التصنيف التنظيمي للهيئة، لتشمل جميع طلبات الإيصال، والاستخدام، والتوزيع، والتجميع، والمعالجة الذاتية. ويُعرّف التنظيم المستفيد الكبير بأنه الكيان الذي يتجاوز استهلاكه الحدود المقررة، سواء للاستخدام التشغيلي الخاص أو للتوزيع الذاتي ضمن نطاق جغرافي محدد.
وقد ألزمت الهيئة مقدمي الخدمة بدراسة طلبات الإيصال للمشاريع الكبرى وتحديد الكميات اللازمة خلال مدة لا تتجاوز ثلاثين يوم عمل من تاريخ تقديم الطلب، ليتم بعدها إبرام «اتفاقية الشراء بالجملة» التي تحدد الالتزامات الفنية والمالية.
تسريع التنمية والبنية التحتية
وفي إطار دعم عجلة التنمية، أتاحت القواعد للمستفيد الكبير خيار تحمل التكاليف الفعلية للبنى التحتية في حال عدم اعتماد ميزانيات للمشاريع اللازمة من قبل مقدم الخدمة أو عدم توافق الجدول الزمني للتنفيذ مع خطط المستفيد. ويتم ذلك عبر اتفاقية ملزمة، مع إعفاء المستفيد لاحقاً من تكلفة خدمة رأس المال كلياً أو جزئياً كتعويض عادل عما تحمله من نفقات تأسيسية.
حماية المستهلك النهائي وضبط الأسعار
من أهم ما جاء في التنظيم الجديد هو حماية المستهلكين داخل المجمعات السكنية والتجارية؛ حيث فرضت الهيئة على الراغبين في «التوزيع الذاتي» ضرورة التعاقد مع مشغل متخصص ومرخص لإدارة المنظومة. كما أوجبت إنشاء منظومة محاسبية مستقلة وفوترة داخلية دقيقة تعتمد على عدادات مستقلة لكل وحدة لضمان العدالة.
وحظرت القواعد بشكل قاطع بيع المياه داخل أو خارج نطاق المنشأة دون ترخيص، وشددت على ضرورة التزام المستفيد الكبير بأسعار بيع المياه بالتجزئة للمستفيدين الداخليين وفق القيم المعتمدة من الهيئة، لضمان عدم استغلال المستهلك النهائي برفع الأسعار.
الأثر المتوقع والرقابة
من المتوقع أن يسهم هذا التنظيم في خلق فرص استثمارية لشركات التشغيل والصيانة المتخصصة، ورفع مستوى جودة المياه في الشبكات الداخلية للمجمعات التي كانت تعاني سابقاً من غياب الرقابة المباشرة. ولضمان الامتثال، منحت الهيئة ومقدمو الخدمة صلاحيات واسعة للرقابة والتفتيش، متوعدة بعقوبات رادعة تشمل إيقاف الخدمة في حالات الربط غير النظامي أو التلاعب بالعدادات.


