لم تكن الخسارة القاسية برباعية نظيفة التي تعرض لها المنتخب السعودي في إحدى مبارياته الودية سوى القشة التي قصمت ظهر البعير، وأشعلت موجة من القلق والغضب بين الأوساط الجماهيرية بمختلف ميولها. هذا التراجع الملحوظ في الأداء الفني والبدني تحت قيادة المدرب الفرنسي هيرفي رينارد، جعل الثقة شبه معدومة من قبل المشجعين، والإعلام الرياضي، بل وحتى بين اللاعبين أنفسهم. لقد ظهر “الأخضر” داخل المستطيل الأخضر بلا هوية فنية واضحة، مما يثير تساؤلات جدية حول مستقبل الفريق ومخاوف حقيقية من نتائج كأس العالم المقبلة.
إرث كروي عريق يضع الأخضر تحت المجهر
تاريخياً، لا يُعد المنتخب السعودي مجرد مشارك عابر في البطولات الدولية، بل هو أحد أبرز القوى الكروية في القارة الآسيوية. منذ ظهوره الأول والمبهر في مونديال 1994 بالولايات المتحدة الأمريكية وبلوغه دور الستة عشر، وصولاً إلى انتصاره التاريخي على منتخب الأرجنتين في مونديال قطر 2022، اعتادت الجماهير على رؤية فريق يقاتل بشراسة ويمثل العرب خير تمثيل. هذا الإرث الكبير يجعل من أي تراجع في المستوى أمراً غير مقبول، حيث تتوقع الجماهير دائماً أن يكون فريقها في قمة جاهزيته، خاصة عند مواجهة منتخبات عالمية كبرى.
وبالعودة إلى الواقع الحالي، يكفي أن نشاهد أداء الفريق في الأشواط الأولى من مبارياته الأخيرة لندرك غياب العمل الفني المنهجي. فالمنتخب يعاني من ضعف دفاعي وعقم هجومي طوال دقائق اللعب. وما يزيد الطين بلة هو التناقض الواضح في قرارات رينارد؛ فبعد أن صرح بأنه لن يستدعي سوى اللاعبين الأساسيين في أنديتهم، تفاجأ الجميع بضم لاعبين لا يشاركون إلا لدقائق معدودة، بينما تم تهميش نجوم يتألقون محلياً. كما أن استدعاء حراس مرمى كان قد استبعدهم سابقاً بحجة عدم الجاهزية، مثل محمد العويس، يفقد المدرب مصداقيته أمام الشارع الرياضي.
تأثير نتائج المنتخب السعودي على المشهد الرياضي الإقليمي والدولي
إن مشاركة المنتخب السعودي في المحافل العالمية تتجاوز كونها مجرد مباريات كرة قدم؛ فهي تعكس التطور الرياضي الكبير الذي تعيشه المملكة ضمن رؤية 2030. على الصعيد المحلي، يمثل المنتخب مصدر فخر وإلهام للشباب، وأي تعثر يؤثر على الروح المعنوية العامة. إقليمياً، يُنظر إلى السعودية كقائدة للكرة الخليجية والعربية، وتراجعها يفتح الباب لانتقادات واسعة. أما دولياً، فإن الظهور المشرف يعزز من القوة الناعمة للمملكة ويؤكد قدرتها على المنافسة في أعلى المستويات. لذلك، فإن الخوف من مواجهات قادمة أمام منتخبات قوية هو خوف مبرر، لأن هذه الفرق لن ترحم أي تهاون أو ضعف فني.
ولا يقتصر النقد على الجهاز الفني فحسب، بل يمتد ليشمل اللاعبين الذين يتحملون جزءاً كبيراً من المسؤولية. من غير المقبول أن يظهر نجوم يتقاضون عقوداً احترافية ضخمة في أنديتهم بهذا المظهر الباهت والافتقار للروح القتالية عند ارتداء قميص الوطن. في كل منتخبات العالم، يقاتل اللاعبون من أجل شعار بلادهم، ويجب أن يكون هذا هو الحال لدينا. الحماس والغيرة على القميص يمكن أن يعوضا الكثير من النقص التكتيكي.
مطالب بتدخل عاجل لتصحيح المسار
في الختام، يجب على الاتحاد السعودي لكرة القدم، برئاسة الأستاذ ياسر المسحل، وبدعم مستمر من وزارة الرياضة بقيادة الأمير عبدالعزيز بن تركي الفيصل، اتخاذ قرارات حاسمة. سواء كان ذلك بتصحيح مسار المدرب الحالي وإلزامه بضم مساعدين وطنيين أكفاء مثل خالد العطوي أو صالح المحمدي، أو حتى البحث عن بديل قادر على انتشال الفريق. الأهم الآن هو اختيار اللاعب المقاتل الذي يثبت جدارته في دوري روشن، مثلما رأينا من بعض الأسماء الشابة كلاعب الفتح نايف مسعود. كلنا أمل أن يتم تدارك هذه الأخطاء سريعاً، ليعود الأخضر إلى تقديم أداء قوي يبهر العالم في المونديال القادم، ويصل إلى أدوار متقدمة تلبي طموحات القيادة والشعب.


