حققت المملكة العربية السعودية إنجازاً تاريخياً في مسيرتها نحو تطوير منظومة الرعاية الصحية، حيث سجلت مؤشرات الأداء نمواً استثنائياً في حجم القوى العاملة بالقطاع الصحي. وتأتي هذه القفزة كترجمة عملية لمستهدفات “برنامج تحول القطاع الصحي”، أحد ركائز رؤية المملكة 2030، الذي يهدف إلى إعادة هيكلة القطاع ليكون نظاماً صحياً شاملاً وفعالاً ومتكاملاً.
نمو قياسي يعزز الأمن الصحي
كشفت الإحصائيات الرسمية الحديثة عن ارتفاع إجمالي القوى العاملة الصحية من نحو 660 ألف ممارس في عام 2020، ليصل إلى أكثر من 931 ألف ممارس بحلول عام 2024. هذا الارتفاع الضخم، الذي تجاوزت نسبته 42% بزيادة قدرها 271,827 كادراً جديداً خلال أربعة أعوام فقط، لا يمثل مجرد أرقام إحصائية، بل يعكس تحولاً استراتيجياً في تعزيز “الأمن الصحي الوطني” ورفع الجاهزية لمواجهة الأزمات الصحية وتلبية الطلب المتزايد على الخدمات العلاجية والوقائية لسكان المملكة.
تفاصيل المشهد الطبي: توطين وكفاءة
في تفاصيل هذا المشهد المتنامي، سجل قطاع الأطباء البشريين قفزة نوعية، حيث لامست أعدادهم سقف الـ 130 ألف طبيب. واللافت في هذا السياق هو ارتفاع نسبة التوطين إلى 42%، وهو ما يعد مؤشراً قوياً على نجاح برامج التعليم الطبي والابتعاث الخارجي التي استثمرت فيها الدولة طيلة العقود الماضية، لتبدأ الآن في جني ثمارها عبر ضخ دماء وطنية مؤهلة في عصب المنظومة العلاجية.
وفي قطاع طب الأسنان، تصدرت الكفاءات الوطنية المشهد بامتياز، حيث ارتفع عدد الأطباء إلى أكثر من 33 ألفاً، شكل السعوديون منهم نسبة 58.1%. هذا التحول الجذري يؤكد جاذبية هذا التخصص للشباب السعودي وكفاءة الخطط الرامية لإحلال الكوادر الوطنية في التخصصات الدقيقة.
التمريض والخدمات المساندة: ركائز النظام الصحي
شهدت مهنة التمريض، التي تعد العمود الفقري لأي نظام صحي، توسعاً كبيراً لمواكبة الافتتاحات المتتالية للمدن الطبية والمستشفيات الجديدة، ليرتفع العدد إلى أكثر من 243 ألف ممرض وممرضة. ورغم الاعتماد المستمر على الخبرات العالمية لتغطية الاحتياج المتسارع، إلا أن الجهود مستمرة لرفع نسب التوطين في هذا القطاع الحيوي.
أما الفئات الطبية المساعدة، فقد حققت الرقم الأصعب في معادلة التوطين، حيث تجاوز عدد العاملين 222 ألفاً، باكتساح للكفاءات السعودية بنسبة 87.5%. كما تضاعفت أعداد الصيادلة لتقترب من 47 ألف صيدلي، بنسبة توطين بلغت 47.6%، مما يعكس نجاح سياسات وزارة الموارد البشرية ووزارة الصحة في تمكين الصيادلة السعوديين.
الأثر الاقتصادي والاستراتيجي
تتجاوز أهمية هذه الأرقام البعد الطبي لتشمل أبعاداً اقتصادية واجتماعية هامة. فزيادة الكوادر الوطنية تساهم بشكل مباشر في خفض معدلات البطالة، وتضمن استدامة الخدمات الصحية بعيداً عن تقلبات سوق العمل الدولي. كما أن هذا التوسع في البنية التحتية البشرية يضع المملكة في مصاف الدول المتقدمة من حيث معدل الأطباء والممارسين لكل نسمة، مما يعزز مكانتها كمركز إقليمي رائد في مجال الرعاية الصحية والسياحة العلاجية في الشرق الأوسط.


