مع اقتراب مطلع عام 2026، تستعد المملكة العربية السعودية لتدشين مرحلة مفصلية جديدة في مسيرتها التنموية، حيث تدخل حزمة من القرارات والتشريعات الاستراتيجية حيز التنفيذ. تأتي هذه الخطوات تتويجاً لجهود عقد كامل من الإصلاحات الهيكلية التي انطلقت مع رؤية 2030، بهدف نقل الاقتصاد الوطني من الاعتماد على النفط إلى اقتصاد متنوع وتنافسي عالمياً.
سياق التحول الاقتصادي والتشريعي
لم تكن هذه القرارات وليدة اللحظة، بل هي امتداد لسلسلة من التحديثات التشريعية التي شهدتها المملكة منذ عام 2016. تهدف هذه المرحلة المتقدمة من الإصلاحات إلى تعزيز جاذبية البيئة الاستثمارية، ورفع جودة الحياة للمواطنين والمقيمين، وضمان حقوق جميع الأطراف في سوق العمل. ويُنظر إلى عام 2026 باعتباره عام الحصاد للعديد من المبادرات التي تم التخطيط لها بعناية لتعزيز مكانة المملكة كمركز لوجستي واقتصادي عالمي.
انفتاح عقاري غير مسبوق: تملك الأجانب
في خطوة تعد الأبرز من نوعها، يدخل نظام تملك غير السعوديين للعقار حيز التنفيذ في يناير 2026. هذا النظام المحدث يفتح الباب واسعاً أمام الأفراد والشركات الأجنبية لتملك العقارات السكنية والتجارية والصناعية في معظم مناطق المملكة. ورغم الانفتاح الكبير، راعى المشرع خصوصية المدن المقدسة (مكة المكرمة والمدينة المنورة) بوضع ضوابط خاصة، بالإضافة إلى تنظيمات محددة لمدن رئيسية مثل الرياض وجدة.
من المتوقع أن يُحدث هذا القرار نقلة نوعية في السوق العقاري السعودي، حيث سيساهم في جذب رؤوس الأموال الأجنبية، وتشجيع الشركات العالمية على نقل مقراتها الإقليمية إلى المملكة، مما يعزز من استقرار السوق ويرفع من قيمة الأصول العقارية على المدى الطويل.
تعديل ضريبة المشروبات المحلاة: صحة المجتمع أولاً
على صعيد الصحة العامة، يشهد يناير 2026 تطبيق الآلية الجديدة للضريبة الانتقائية على المشروبات المحلاة. ينتقل النظام من فرض نسبة ثابتة (50%) إلى نموذج ضريبي متدرج يعتمد على حجم السكر في كل 100 ملليلتر. هذا التحول لا يهدف فقط إلى زيادة الإيرادات غير النفطية، بل يحمل بعداً صحياً عميقاً يهدف إلى دفع الشركات المصنعة لتقليل نسب السكر في منتجاتها، مما يساهم في مكافحة السمنة والسكري، ويتماشى مع مستهدفات برنامج “جودة الحياة”.
حماية الأجور والتحول الرقمي في العمالة المنزلية
استكمالاً لمنظومة حقوق الإنسان وحماية العمالة، يصبح دفع رواتب العمالة المنزلية إلكترونياً إلزامياً بنسبة 100% اعتباراً من بداية العام. يتم ذلك عبر القنوات المعتمدة مثل منصة “مساند” والمحافظ الرقمية. هذا القرار يغلق الباب أمام النزاعات العمالية، ويضمن توثيق الحقوق المالية بشفافية تامة، مما يعزز من سمعة المملكة في المحافل الدولية فيما يخص حقوق العمالة الوافدة.
العنوان الوطني: ركيزة الخدمات اللوجستية
أخيراً، ولتعزيز كفاءة قطاع التجارة الإلكترونية والخدمات اللوجستية، لن يتم قبول أي شحنات بريدية دون عنوان وطني دقيق للمستلم. هذا الإجراء الإلزامي يهدف القضاء على هدر الوقت في عمليات التوصيل، ويدعم النمو المتسارع في قطاع التجارة الإلكترونية الذي تعتمد عليه المملكة كأحد روافد الاقتصاد الرقمي الجديد.


