في خطوة تعكس الحراك الثقافي والعمراني المتسارع الذي تشهده المملكة العربية السعودية، جاء انطلاق النسخة الافتتاحية لمعرض "سالوني ديل موبيلي – ميلانو" في العاصمة الرياض ليشكل علامة فارقة في مشهد التصميم الإقليمي. هذا الحدث، الذي نظمته هيئة فنون العمارة والتصميم، لم يكن مجرد معرض لعرض المنتجات الفاخرة، بل تحول إلى منصة حوارية عالمية تربط بين عراقة التصميم الإيطالي وعمق التراث السعودي المتجدد.
شراكة استراتيجية تتجاوز الحدود
وفي حديث خاص لـ "اليوم"، أكدت ماريا بورو، رئيسة معرض "سالوني ديل موبيلي. ميلانو"، وإحدى الشخصيات الأكثر تأثيراً في عالم التصميم الدولي، أن اختيار الرياض لاستضافة هذا الحدث لم يأتِ من فراغ. فالمعرض الذي يُعد المرجع الأول عالمياً في قطاع الأثاث والتصميم منذ تأسيسه في إيطاليا، يهدف من خلال تواجده في المملكة إلى تأسيس "حوار صادق" ومستدام بين المجتمع الإبداعي في كلا البلدين.
وأوضحت بورو أن الفلسفة القائمة خلف هذه النسخة تتجاوز المفهوم التقليدي للمعارض التجارية؛ إذ تسعى لخلق مساحة تفاعلية حية يلتقي فيها المصممون والمعماريون والأكاديميون ورواد الصناعة. هذا التلاقح الفكري يهدف لبناء لغة تصميمية مشتركة تستفيد من الخبرة الإيطالية العريقة في الصناعة، وتستلهم من الرؤية السعودية الطموحة.
أهمية الحدث في السياق العالمي والمحلي
يكتسب هذا الحدث أهمية قصوى بالنظر إلى السياق التاريخي والاقتصادي؛ فالمملكة تعيش نهضة عمرانية غير مسبوقة ضمن رؤية 2030، حيث تلعب الفنون والعمارة دوراً محورياً في تعزيز جودة الحياة وتنويع الاقتصاد الإبداعي. ويُعد حضور معرض بحجم "سالوني ديل موبيلي" اعترافاً دولياً بمكانة الرياض كوجهة صاعدة في خارطة التصميم العالمية، مما يفتح الباب أمام استثمارات نوعية وشراكات صناعية ترفع من كفاءة المنتج المحلي.
وتشير بورو إلى أن روح الحدث تتجلى بوضوح في الامتزاج الثقافي الفريد، حيث تعرض كبرى العلامات الإيطالية ابتكاراتها جنباً إلى جنب مع إبداعات سعودية صُنعت بأيدٍ محلية، مما يبرز تطور الصناعة الوطنية وقدرتها على المنافسة.
إرث المملكة: من الدرعية إلى العلا
وفي سياق حديثها عن مصادر الإلهام، وصفت بورو المملكة، وتحديداً الرياض، بأنها واحدة من أكثر البيئات إثارة للاهتمام بالنسبة للمصممين العالميين. ولفتت الانتباه إلى الجولات الميدانية التي قام بها المشاركون لاستكشاف إرث الدرعية والرياض المسجل في قائمة اليونسكو للتراث العالمي. وأكدت أن هذه المواقع ليست مجرد آثار، بل هي مفاتيح لفهم كيفية تطويع البيئة لخدمة الإنسان، وهو جوهر التصميم المستدام.
وتوقفت بورو بإعجاب كبير عند زيارتها لمحافظة العلا، واصفة التجربة بأنها "مزيج بصري وعاطفي" يربط بين سكون الصحراء المفتوحة وتفاصيل العمارة المنحوتة في الجبال. وأكدت أن المملكة تقدم اليوم نموذجاً معمارياً فريداً ينجح في الجمع بين الهوية التراثية الأصيلة ومتطلبات الحداثة، مما يخلق بيئة خصبة للتجريب والإبداع المعماري.
مستقبل التصميم: تكامل الحرفية والابتكار
تؤمن بورو بأن نجاح العمارة لا يكتمل دون تصميم داخلي يراعي تجربة الإنسان الحسية في المكان، من خلال عناصر الضوء، والمادة، والحركة. وترى أن الشراكة مع السعودية قادرة على خلق منصة تكاملية تمزج "المهارة الحرفية الإيطالية" مع "الروح الإبداعية السعودية"، مما يفتح آفاقاً واسعة للمصنعين من الجانبين لتطوير منتجات تخدم السوق المحلي والعالمي.
واختتمت بورو حديثها بالإشارة إلى أن التعاون بين الفريقين السعودي والإيطالي خلال الأشهر الماضية بُني على ثقة متبادلة وأفكار مشتركة، مشبهة هذا التناغم بتجربة عشاء جمعت طهاة من البلدين لابتكار مذاق جديد. وقالت: "التصميم ليس قطعة جميلة فقط، بل فكرة تُولد من لقاء ثقافتين"، مؤكدة أن ما يحدث في الرياض اليوم ليس مشروعاً عابراً، بل هو تأسيس لمسار تصميمي عالمي جديد ينطلق من المملكة ليمتد أثره إلى العالم أجمع.


