احتفالية فنية تجمع بين الأصالة والمعاصرة
في قلب العاصمة السعودية التي تشهد تحولًا حضريًا وثقافيًا متسارعًا، يقدم احتفال “نور الرياض 2025″، أكبر احتفال فني للضوء في العالم، لفتة تكريمية استثنائية للفنانة السعودية الرائدة الراحلة صفية بن زقر. تحت شعار “في لمح البصر”، الذي يحتفي بسرعة التغيير وجمالياته، يتوقف المهرجان ليعيد إحياء ذاكرة وطن من خلال أعمال فنانة كرست حياتها لتوثيق أدق تفاصيل الحياة السعودية. فمن خلال عرض عملها الأيقوني “مشاهد من حفل زفاف” في مركز الملك عبد العزيز التاريخي، لا يتم استحضار فنانة فحسب، بل يتم فتح حوار عميق بين الماضي التليد والمستقبل المشرق، حيث يصبح الضوء لغة تسرد حكايات الأجداد للأجيال الجديدة.
صفية بن زقر: ريشة أرّخت تاريخًا بصريًا
تُعد صفية بن زقر، التي لُقبت عن جدارة بـ “أم الفن السعودي”، إحدى أهم ركائز الحركة الفنية التشكيلية في المملكة. في وقت كانت فيه الفنون البصرية في مهدها، أدركت بن زقر بوعي مبكر أهمية الفن كأداة لحفظ الهوية والتراث. لم تكن لوحاتها مجرد أعمال فنية، بل كانت بمثابة سجلات بصرية دقيقة للحياة الاجتماعية في الحجاز والمملكة عمومًا خلال منتصف القرن العشرين. وثقت بريشتها العادات والتقاليد، الأزياء الشعبية، تفاصيل الأعراس، والملامح الإنسانية في زمن سبق انتشار التصوير الفوتوغرافي. رحلتها التي بدأت من دراسة الفن في مدرسة سانت مارتن المرموقة بلندن، لم تبعدها عن جذورها، بل صقلت موهبتها لتخدم مشروعًا وطنيًا فريدًا، تُوّج بتأسيس “دارة صفية بن زقر” عام 1995، التي لم تكن مجرد متحف لأعمالها، بل منارة ثقافية ومرجعًا للباحثين والمهتمين بالتراث السعودي.
The importance of the event and its expected impact
إن عرض أعمال صفية بن زقر في سياق مهرجان عالمي مثل “نور الرياض” يحمل دلالات متعددة. على الصعيد المحلي، يمثل هذا التكريم جسرًا يربط الجيل الشاب، الذي يتفاعل مع الفن الرقمي والتركيبي الحديث، بتاريخه الفني الأصيل، ويعيد تقديم إرثها بطريقة مبتكرة وجذابة. أما على الصعيد الدولي، فإن وجود أعمالها إلى جانب فنانين عالميين يضع الفن السعودي التأسيسي في مكانته اللائقة على الخارطة الفنية العالمية، ويقدم للعالم سردية ثقافية غنية عن تاريخ المملكة من منظور فني وإنساني. إنها رسالة تؤكد أن النهضة الثقافية الحالية التي تشهدها السعودية، في ظل رؤية 2030، ترتكز على أساس متين من الإبداع المحلي والتراث العريق.
عندما يروي الضوء قصة “حفل زفاف”
يأخذ عمل “مشاهد من حفل زفاف” بُعدًا جديدًا ضمن احتفال “نور الرياض”. فالعمل الذي يصور بدقة طقوس الزفاف التقليدية، بتفاصيل أقمشته وحركاته ولحظات الفرح فيه، يتحول من لوحة صامتة إلى تجربة غامرة. هنا، لا يعمل الضوء كعنصر تزييني، بل كأداة سردية تعيد إحياء المشهد، وتنفخ الروح في الشخصيات، وتجعل الزائر يشعر وكأنه جزء من تلك اللحظة التاريخية. هذا التفاعل بين الفن التشكيلي الكلاسيكي وتقنيات الضوء المعاصرة يجسد ببراعة شعار المهرجان، حيث يلتقي الماضي بالحاضر “في لمح البصر”، ليؤكد أن الفن الحقيقي قادر على تجاوز الزمن والوسائط.
إرث لا يرحل
رحلت صفية بن زقر في عام 2024، لكن حضورها في “نور الرياض 2025” يثبت أن الضوء الذي أشعلته في سماء الفن السعودي لا يرحل. فبين الأعمال الفنية الرقمية والتركيبات الضوئية المبهرة، يقف عملها شاهدًا على أن جذور الحداثة تكمن في عمق الأصالة. إنه تكريم يليق بفنانة لم ترسم وطنًا فحسب، بل علّمت أجيالًا كيف يرون جماله وتفرده، وها هو فنها اليوم يعود ليضيء ذاكرة هذا الوطن من جديد.


