أعلن مرصد حوطة سدير الفلكي، التابع لجامعة المجمعة، رسمياً عن دخول منزلة "سعد السعود"، وهي المحطة الزمنية التي يترقبها سكان الجزيرة العربية بشغف، كونها تمثل الإعلان السماوي عن انقضاء قسوة الشتاء وبداية التحول الفعلي نحو اعتدال الطقس. وتعد هذه المنزلة ثالث منازل "السعود" الأربعة وآخر منازل فصل الشتاء وفق الحسابات الفلكية التقليدية، حيث يحل فيها القمر لمدة 13 يوماً، مما يجعلها علامة فارقة في التقويم الزراعي والمناخي للمنطقة.
الموروث الفلكي وخصائص موسم سعد السعود
يحظى موسم سعد السعود بمكانة خاصة في الموروث الشعبي والثقافة الفلكية العربية القديمة، حيث ارتبطت به أمثال العرب الخالدة التي تصف بدقة التحولات البيئية المصاحبة له، ومن أشهرها قولهم: "إذا طلع سعد السعود، لانت الجلود، وذاب كل جلمود، واخضر كل عود، وانتشر كل مصرود، وكره في الشمس القعود". وتعكس هذه المقولات الخبرة المتراكمة للأجداد في رصد المتغيرات المناخية، حيث تبدأ الأرض في هذا الوقت بالتنفس وتدب الحياة في عروق الأشجار بعد سبات شتوي طويل.
فلكياً، أوضح المرصد أن هذه المنزلة تضم ثلاثة نجوم لامعة، أحدهما يعتبر من ألمع النجوم في كوكبة الجدي. ويوافق ظهورها هذا العام يوم 16 مارس، متزامناً مع حلول الشمس في برج الحوت. وتكتسب هذه الفترة أهمية عالمية وإقليمية كونها تشهد ظاهرة الاعتدال الربيعي، حيث يتساوى طول الليل والنهار تقريباً في معظم أرجاء الكرة الأرضية، لتبدأ بعدها ساعات النهار بالزيادة تدريجياً على حساب الليل، معلنة السيطرة الفعلية لملامح فصل الربيع.
انتعاش الزراعة وتلقيح النخيل
على الصعيد الاقتصادي والزراعي المحلي، يُعد دخول سعد السعود صافرة الانطلاق للمزارعين في مختلف مناطق المملكة. ففي هذه الأيام، يرتفع النسغ (الماء) في سيقان الأشجار، وتكتسي الطبيعة حلة خضراء يانعة، خاصة في السنوات المطيرة. وينصح الخبراء الزراعيون باستغلال هذه الفترة لتسميد المزروعات وزراعة محاصيل حيوية مثل البرسيم المتأخر، الفاصوليا، اللوبيا، والقرعيات.
كما تعتبر هذه الأيام هي الوقت الذهبي والمثالي لبدء عملية تلقيح النخيل، وهي العملية الأهم لضمان جودة إنتاج التمور الذي تشتهر به المملكة. ويشدد المختصون على ضرورة عدم تأخير التلقيح وحماية اللقاح من الرياح النشطة التي قد تضعف فعاليته، مع التنبيه على أهمية إعادة التلقيح فوراً في حال هطول الأمطار عقب العملية لضمان نجاح المحصول.
الظواهر الجوية والتحولات المناخية
تتسم الفترة الانتقالية التي يصنعها سعد السعود ببعض التقلبات الجوية المعتادة، حيث ترتفع درجات الحرارة تدريجياً ليتراوح متوسطها بين 17 و28 درجة مئوية. ولفت المرصد إلى أن هذه الفترة قد تشهد تشكل السحب الرعدية المنخفضة وهبوب رياح جنوبية قد تكون مثيرة للأتربة والغبار، وهي ظواهر طبيعية تسبق استقرار الأجواء الربيعية.
وفي سياق التنوع البيئي، يتزامن هذا الموسم مع استمرار تفريخ الطيور البرية وبدء هجرة أنواع أخرى مثل الوز والكرك الصغير، مما يضفي بعداً جمالياً على الطبيعة الصحراوية ويعزز من أهمية الحفاظ على التوازن البيئي خلال هذه الفترة الحساسة من العام.


