انطلقت في العاصمة الإماراتية أبوظبي، جولة تاريخية من المحادثات بين روسيا وأوكرانيا بمشاركة وفد رفيع من الولايات المتحدة الأمريكية، لتشكل بذلك أول مفاوضات علنية مباشرة بين موسكو وكييف تهدف إلى وضع حد للحرب الدائرة منذ قرابة أربع سنوات. وتأتي هذه الخطوة الدبلوماسية الكبرى في إطار خطة شاملة يدفع بها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لإنهاء النزاع الذي استنزف الموارد البشرية والاقتصادية للطرفين، وألقى بظلاله القاتمة على المشهد الجيوسياسي العالمي.
تفاصيل المفاوضات والمطالب الروسية
من المقرر أن تستمر هذه المحادثات الحاسمة على مدى يومين، حيث يسعى الأطراف المجتمعة إلى تعزيز لغة الحوار وإيجاد مخارج سياسية للأزمة المعقدة بدلاً من الحلول العسكرية. وقبيل الجلوس على طاولة المفاوضات، جددت روسيا تمسكها بموقفها الثابت، مؤكدة عدم تخليها عن مطلبها الرئيسي المتمثل في انسحاب القوات الأوكرانية من منطقة دونباس الشرقية، وهو الشرط الذي طالما اعتبرته موسكو أساساً غير قابل للتفاوض لأي تسوية مستقبلية.
في المقابل، صرح الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي بأن مسألة المناطق التي تطالب بها روسيا لا تزال تشكل العقبة الرئيسية والقضية المحورية التي ستتصدر جدول أعمال المحادثات، مشيراً إلى التحديات الكبيرة التي تواجه التوصل إلى اتفاق يرضي الطرفين في ظل التمسك بالسيادة على الأراضي.
سياق الصراع والخلفية التاريخية
تكتسب هذه المفاوضات أهميتها القصوى من كونها تأتي بعد سنوات من الجمود الدبلوماسي شبه التام منذ اندلاع العمليات العسكرية الروسية في فبراير 2022. وقد شهدت السنوات الماضية محاولات متفرقة للتقارب (مثل محادثات إسطنبول في بداية الحرب)، إلا أنها اصطدمت دائماً بتباين شاسع في وجهات النظر وتصعيد عسكري ميداني مستمر. وتأتي هذه المبادرة الجديدة في وقت يعاني فيه الطرفان من حالة “إنهاك عسكري” واستنزاف للذخيرة والمعدات، مما يجعل الضغط الأمريكي الحالي، بقيادة إدارة ترامب التي وعدت خلال حملتها الانتخابية بإنهاء الحرب “بسرعة”، عاملاً حاسماً قد يغير معادلة الصراع.
الدور الإماراتي والأبعاد الدولية
يعكس اختيار أبوظبي لاستضافة هذه القمة الدبلوماسية الدور المتنامي لدولة الإمارات العربية المتحدة كوسيط دولي موثوق وشريك استراتيجي قادر على جمع الأضداد وتوفير بيئة محايدة للحوار. ويُنظر إلى هذه المفاوضات بعين الترقب والقلق من قبل المجتمع الدولي، نظراً لتأثيرات الحرب المباشرة والعميقة على الاقتصاد العالمي، وتحديداً في ملفي أمن الطاقة (النفط والغاز) والأمن الغذائي (الحبوب).
ويرى مراقبون ومحللون سياسيون أن نجاح هذه المحادثات، أو حتى تحقيق خرق دبلوماسي بسيط فيها، قد يؤدي إلى انفراجة في الأسواق العالمية واستقرار في سلاسل التوريد، بينما قد يؤدي فشلها إلى مرحلة جديدة وأكثر عنفاً من التصعيد، مما يزيد من مخاطر توسع رقعة الصراع لتهدد الاستقرار الأمني في القارة الأوروبية بأكملها.


