واصل مهرجان الرياض للمسرح تألقه اللافت في يومه الثالث، مرسخاً مكانته كمنارة ثقافية بارزة في العاصمة السعودية، وذلك بتنظيم من هيئة المسرح والفنون الأدائية. ويأتي هذا المهرجان ليقدم حراكاً ثقافياً وفنياً متنوعاً يجمع بين الفكر والإمتاع، حيث شهدت أروقته تنظيم ورش تدريبية متخصصة، وتقديم عروض مسرحية حملت مضامين فكرية وإنسانية عميقة، إلى جانب الأمسيات الغنائية التي أضفت طابعاً من البهجة على الزوار.
سياق ثقافي يتناغم مع رؤية 2030
لا يمكن قراءة نجاح مهرجان الرياض للمسرح بمعزل عن التحولات الكبرى التي يشهدها القطاع الثقافي في المملكة العربية السعودية. يأتي هذا الحدث كجزء أصيل من مستهدفات رؤية المملكة 2030، وتحديداً ضمن مبادرات الاستراتيجية الوطنية للثقافة التي تهدف إلى جعل الثقافة نمط حياة، ورافداً للاقتصاد الوطني، وتعزيزاً لمكانة المملكة الدولية. وتعمل هيئة المسرح والفنون الأدائية منذ تأسيسها على تطوير البنية التحتية للمسرح، ودعم المواهب المحلية، وخلق بيئة إبداعية مستدامة تساهم في رفع جودة الحياة.
ورش متخصصة وعروض مسرحية نوعية
استهلت فعاليات اليوم الثالث بجرعة معرفية مكثفة عبر ورشة عمل بعنوان «الفضاء المسرحي والسينوغرافيا» قدمها الأستاذ محمد جميل. ركزت الورشة على البعد المفاهيمي للسينوغرافيا، متجاوزة فكرة الديكور التقليدي لتطرحها كعنصر فاعل وشريك أساسي في بناء الرؤية الإخراجية. وتناول المحاضر كيفية تحويل الفضاء المسرحي إلى وسيط تعبيري يتكامل مع النص الدرامي عبر توظيف الضوء والكتلة والحركة، مما يعمق التجربة الجمالية للمتلقي.
وفي الشق الأدائي، خطفت فرقة مسرح الطائف الأنظار بعرض مسرحية “اللوحة الثالثة”، من تأليف الكاتب المسرحي المخضرم فهد الحارثي وإخراج أحمد الأحمري. غاص العمل في أعماق الصراع الداخلي لفرقة مسرحية تبحث عن هويتها الفنية وسط تشتت الأساليب، مقدماً معالجة درامية ذكية مزجت بين الكوميديا السوداء والعبثية، لتطرح تساؤلات وجودية حول جدوى الفن والعلاقة الشائكة بين الإبداع والمادة.
وقد أعقب العرض قراءة نقدية للناقد السينمائي عايض البقمي، الذي فكك البناء الدرامي للعمل وخياراته الإخراجية، مسلطاً الضوء على الرمزيات البصرية وأدوات السرد التي ساهمت في إيصال رسالة المسرحية، مما أثرى النقاش بين الجمهور وصناع العمل.
ليلة طربية وتأثير ممتد
لم يقتصر المهرجان على المسرح فحسب، بل شهد إقامة حفل فني ساهر أحياه الفنان محمد فضل شاكر، الذي قدم باقة من الأغاني الطربية، مستعيداً بعض روائع والده الفنان فضل شاكر، وسط تفاعل جماهيري كبير ملأ مدرجات المسرح، مما يعكس التكامل بين الفنون السمعية والبصرية في المهرجان.
ويحمل هذا الحراك المسرحي أهمية بالغة تتجاوز الحدود المحلية؛ إذ يسهم في وضع الرياض على خارطة العواصم الثقافية في المنطقة، ويعزز من القوة الناعمة للمملكة. كما يلعب دوراً محورياً في تنشيط السياحة الثقافية، وخلق فرص اقتصادية للمبدعين، وتأسيس صناعة مسرحية احترافية قادرة على المنافسة إقليمياً ودولياً، وذلك ضمن برنامج المهرجان المستمر حتى 22 ديسمبر الجاري.


