مؤتمر الرياض للفلسفة 2025: تفاصيل جلسات الشرق والغرب وأدب الطفل

مؤتمر الرياض للفلسفة 2025: تفاصيل جلسات الشرق والغرب وأدب الطفل

ديسمبر 7, 2025
9 mins read
تغطية شاملة لمؤتمر الرياض الدولي للفلسفة 2025، تتناول حوار الشرق والغرب، مفهوم الجيوفلسفة، والمدن العالمية، بالإضافة إلى دمج الفلسفة في أدب الطفل.

شهدت العاصمة السعودية حراكاً فكرياً استثنائياً بانطلاق فعاليات مؤتمر الرياض الدولي للفلسفة 2025، الذي تنظمه هيئة الأدب والنشر والترجمة. يأتي هذا الحدث في سياق ثقافي متنامٍ تشهده المملكة ضمن رؤية 2030، حيث لم تعد الفلسفة مجرد ترف فكري، بل أداة أساسية لتعزيز التفكير النقدي ومد جسور التواصل الحضاري. وتحت شعار "الفلسفة بين الشرق والغرب: المفاهيم، والأصول، والتأثيرات المتبادلة"، فتح المؤتمر أبوابه لنقاشات جريئة تتجاوز السطحية لتعيد تشكيل فهمنا للعلاقة بين الثقافات.

تفكيك المركزية: حوار الشرق والغرب

في الجلسة الافتتاحية التي حملت عنوان "التفاعلات الفلسفية بين الشرق والغرب في العصور الحديثة"، وأدارها الأستاذ طريف السليطي، قدم كل من الدكتور وليد الزامل، والدكتور ياسر الغامدي، والدكتورة أماني الزعيبي رؤى نقدية للعلاقة التاريخية بين الحضارتين. لم يكتفِ المتحدثون بسرد التاريخ، بل أكدوا أن الفلسفة هي نتاج "تهجين ثقافي" مستمر عبر الترجمة والفنون.

وتم تسليط الضوء على مفهوم "الجيوفلسفة" (Geophilosophy) كما طرحه جيل دولوز وفليكس غواتاري، وهو طرح ينقل الفلسفة من كونها مجرد تاريخ للأفكار إلى كونها نتاجاً للبيئة والجغرافيا. وأشار المشاركون إلى أن البيئة الإغريقية القديمة لم تكن معزولة، بل كانت فضاءً تجارياً وثقافياً سمح بظهور الفلسفة، مما يضرب في عمق المركزية الغربية ويؤكد على التعددية.

المدينة العالمية: بين الاقتصاد والهوية

وفي طرح يلامس الواقع الاقتصادي المعاصر، تناول الدكتور وليد الزامل إشكالية "المدن العالمية". وأوضح أن تحول المدن إلى مراكز جذب للنخب والشركات العابرة للقارات، رغم فوائده الاقتصادية، قد يخلق ما يسمى بـ"المدينة المزدوجة"، حيث تتسع الفجوة بين من يندمج في العولمة ومن يهمش بسببها. وتكتسب هذه الرؤية أهمية خاصة في ظل التحولات الحضرية الكبرى التي تشهدها مدن الخليج والرياض تحديداً، مما يستدعي سياسات توازن بين الانفتاح العالمي والحفاظ على النسيج الاجتماعي والهوية المحلية.

كما عرجت الجلسة على نموذج "الاستشراق التشاركي" من خلال تجربة غوته في "الديوان الشرقي الغربي"، مقدمة إياه كنموذج للتلاقح الفكري القائم على الاحترام، بعيداً عن هيمنة السرديات الاستعمارية، مما يفتح أفقاً جديداً لفهم العلاقة مع الآخر.

أدب الطفل: الفلسفة في مواجهة التلقين

انتقالاً من القضايا الكبرى إلى تأسيس العقل، ركزت الجلسة الثانية بعنوان "أدب الطفل والفلسفة والبيداغوجيا"، التي قدمتها الأستاذة داليا تونسي، على أهمية القصص المصورة كأداة فلسفية. وأكدت الجلسة أن أدب الطفل ليس مجرد وسيلة للوعظ الأخلاقي، بل هو "مختبر للفكر" يتيح للطفل مواجهة أسئلة الوجود الكبرى.

واستعرضت تونسي كيف أن قصصاً مثل "ليس الآن يا برنارد" تكشف عن قلق الراشدين واضطرابهم أكثر مما تتحدث عن عالم الطفل، مشيرة إلى أن التحدي يكمن في خوف البالغين من النصوص المفتوحة التي لا تقدم إجابات جاهزة. وتم استحضار نموذج الفيلسوف ماثيو لبمن (Matthew Lipman)، مؤسس "فلسفة للأطفال" (P4C)، الذي يعتمد على "الإيضاح السردي" لدمج البرهنة بالحكاية.

واختتمت النقاشات بالتأكيد على ضرورة عدم حجب الموضوعات الحساسة كالموت والخوف عن الأطفال، لأن إقصاءها لا يلغي تساؤلاتهم بل يتركهم يبحثون عن إجابات في فضاءات غير آمنة. يمثل هذا الطرح نقلة نوعية في المفاهيم التربوية في المنطقة، حيث يتم الانتقال من التلقين إلى التمكين الفكري، مما يعكس الأثر العميق لمثل هذه المؤتمرات في صياغة مستقبل التعليم والثقافة.

أذهب إلىالأعلى