عندما يقرر الشاب الإقدام على خطوة الزواج وتكوين أسرة، فإنه غالباً ما يصطدم بجدار صلب من التكاليف الباهظة التي تحول الحلم المشروع إلى كابوس مالي. لم يعد الأمر مقتصراً على المهر الشرعي وتجهيز عش الزوجية، بل امتد ليشمل قائمة طويلة من المتطلبات الاجتماعية التي تترجم على أرض الواقع بآلاف الريالات، بدءاً من حجز قاعات الزفاف الفاخرة، مروراً بالولائم الضخمة، وصولاً إلى تفاصيل دقيقة ومكلفة تتعلق بليلة الزفاف وشهر العسل.
الفجوة بين الواقع الاقتصادي والمظاهر الاجتماعية
في ظل المتغيرات الاقتصادية العالمية والمحلية وتذبذب الأسعار، أصبح الزواج مشروعاً يتطلب تخطيطاً مالياً لسنوات طويلة. ورغم وجود فتاوى دينية عديدة ودعوات مجتمعية تحث على التيسير وتقليل المهور، إلا أن العرف الاجتماعي والمباهاة لا يزالان يسيطران على المشهد. لقد تحولت مظاهر الفرح من تعبير بسيط عن السعادة بإشهار النكاح، إلى سباق محموم نحو البذخ، حيث باتت كلفة ليلة واحدة قد تعادل دخل الشاب لعدة سنوات، مما يضطره في كثير من الأحيان للاستدانة والدخول في دوامة القروض البنكية في مقتبل حياته الزوجية.
تأثير وسائل التواصل الاجتماعي
لا يمكن إغفال دور وسائل التواصل الاجتماعي في تعميق هذه الأزمة. فقد ساهمت منصات مثل إنستغرام وسناب شات في خلق معايير جديدة وغير واقعية لحفلات الزفاف. أصبح “الترند” والمقارنات الاجتماعية دافعاً رئيسياً وراء الإنفاق غير المبرر، حيث يسعى البعض لتوثيق لحظات باذخة لإبهار المتابعين، مما زاد من الضغط النفسي والمادي على المقبلين على الزواج وأسرهم، وجعل من الكماليات أساسيات لا يمكن الاستغناء عنها.
تداعيات تأخر سن الزواج
إن استمرار ارتفاع تكاليف الزواج له انعكاسات سلبية عميقة على البنية الديموغرافية للمجتمع. تشير الدراسات الاجتماعية إلى أن العوائق المالية تعد سبباً رئيسياً في تأخر سن الزواج لدى الجنسين، أو ما يعرف بظاهرة العنوسة وعزوف الشباب. هذا التأخير لا يؤثر فقط على الفرد، بل يمتد تأثيره ليشمل انخفاض معدلات الخصوبة وتغير الهرم السكاني على المدى الطويل، مما يستدعي وقفة جادة لإعادة النظر في العادات الاستهلاكية المرتبطة بهذه المناسبة المقدسة.
تحقيق ميداني يرصد الأزمة
وفي هذا السياق، سلط فريق صحيفة “اليوم” الضوء على هذه الظاهرة المتفاقمة من خلال تقرير موسع. حيث خاض المحررون (حذيفة القرشي، محمد السليمان، محمد العويس، أحمد المسري، رائد السويلم، وعبدالعزيز العمري) نقاشات مستفيضة مع مختلف أطراف المجتمع للوقوف على أسباب المشكلة ومفاتيح الحل، مصحوبين بعدسة المصور مرتضى بوخمسين لتوثيق المشهد. وخلصت النقاشات إلى ضرورة تكاتف الجهود المجتمعية لتبني ثقافة الترشيد والعودة إلى جوهر الزواج القائم على المودة والرحمة لا على المظاهر والمادة.


