تصريحات قوية حول الاعتماد الدفاعي الأوروبي
في تصريح يعكس الواقع الاستراتيجي الراهن، أكد الأمين العام لحلف شمال الأطلسي (الناتو)، مارك روته، أن القارة الأوروبية لا تملك القدرة على الدفاع عن نفسها بمعزل عن الولايات المتحدة الأمريكية. وخلال كلمته أمام نواب البرلمان الأوروبي، وجه روته رسالة واضحة إلى دعاة “الاستقلال الاستراتيجي الأوروبي”، قائلاً: “إذا كان أي شخص هنا يعتقد مجدداً أن الاتحاد الأوروبي، أو أوروبا ككل، يمكنها الدفاع عن نفسها من دون الولايات المتحدة – فليستمر في الحلم. لا يمكنك ذلك”. تأتي هذه التصريحات في وقت حاسم يتزايد فيه النقاش حول مستقبل الأمن الأوروبي في ظل التحديات الجيوسياسية المتصاعدة.
السياق التاريخي والتحولات الجيوسياسية
تأسس حلف الناتو عام 1949 كتحالف دفاعي عسكري لمواجهة التهديد السوفيتي بعد الحرب العالمية الثانية، وشكلت الولايات المتحدة منذ ذلك الحين حجر الزاوية في منظومة الدفاع الأوروبية. على مدى عقود، وفرت المظلة النووية الأمريكية والقدرات العسكرية الهائلة لواشنطن ضمانة أمنية حاسمة للحلفاء الأوروبيين. ومع ذلك، شهدت السنوات الأخيرة صعود دعوات أوروبية، خاصة من فرنسا، لتعزيز “السيادة الأوروبية” وبناء قدرة دفاعية مستقلة. وقد تغذى هذا التوجه من خلال التوترات التي شابت العلاقات عبر الأطلسي خلال إدارة الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب، وتزايدت أهميته مع الغزو الروسي الشامل لأوكرانيا في عام 2022، الذي كشف عن ثغرات في القدرات الدفاعية الأوروبية وأعاد التأكيد على أهمية الحلف.
تأثير الحرب في أوكرانيا ومستقبل الحلف
أعادت الحرب في أوكرانيا إحياء دور الناتو المحوري، ودفعت دولاً مثل فنلندا والسويد إلى التخلي عن حيادها التاريخي والانضمام إلى الحلف. وفي هذا السياق، تكتسب تصريحات روته أهمية خاصة، حيث إنها تمثل تذكيراً بأن القدرات العسكرية الأوروبية، رغم نموها، لا تزال غير كافية لردع خصم بحجم روسيا دون الدعم الأمريكي اللوجستي والاستخباراتي والعسكري. كما تأتي في ظل مخاوف أوروبية من احتمال تغير السياسة الخارجية الأمريكية المستقبلية، مما يضع ضغطاً إضافياً على الدول الأوروبية لزيادة إنفاقها الدفاعي والوفاء بالتزام تخصيص 2% من ناتجها المحلي الإجمالي للدفاع، وهو هدف لا تزال العديد من الدول بعيدة عن تحقيقه.
خطط الناتو لتعزيز الجبهة الشرقية
بالتوازي مع النقاش السياسي، يعمل الناتو على تعزيز قدراته العملية على الأرض. وفي هذا الإطار، كشف الجنرال الألماني توماس لوين، نائب رئيس هيئة العمليات في قيادة القوات البرية التابعة للناتو، عن خطط لإنشاء منطقة دفاع مؤتمتة على طول الحدود الأوروبية مع روسيا. وتهدف هذه الخطة إلى استخدام التكنولوجيا المتقدمة، بما في ذلك أجهزة الاستشعار والطائرات بدون طيار والأنظمة الآلية، لإنشاء “منطقة ساخنة” تعمل كخط دفاع أولي يعرقل أي تقدم محتمل للعدو ويعمل كرادع استراتيجي. ويعكس هذا التوجه سعي الحلف للتكيف مع طبيعة الحروب الحديثة، مع التأكيد على أن هذه التقنيات المتقدمة تظل مكملة للقوة العسكرية التقليدية التي تقودها الولايات المتحدة.


