في ظاهرة كروية تتحدى قوانين البيولوجيا والزمن، يواصل النجم الكرواتي لوكا مودريتش كتابة التاريخ في الملاعب الإيطالية، مثبتاً أن العمر مجرد رقم في بطاقة الهوية. في سن الأربعين، تحول مودريتش من لاعب كان يُنظر إليه كخيار بديل في ختام مسيرته مع ريال مدريد، إلى الركيزة الأساسية التي لا غنى عنها في تشكيلة المدرب ماسيميليانو أليجري مع نادي ميلان الإيطالي.
أرقام إعجازية في الكالتشيو
لغة الأرقام لا تكذب، وما يقدمه “المايسترو” في الدوري الإيطالي هذا الموسم يعد استثنائياً بكل المقاييس. فقد شارك مودريتش أساسياً في جميع مباريات الدوري الـ15، ولعب 90 دقيقة كاملة في 13 مباراة منها، مسجلاً 1325 دقيقة لعب، وهو رقم يتفوق به حتى على حارس مرمى الفريق مايك ماينان. هذه الاستمرارية البدنية المذهلة منحته خامس أفضل تقييم بين لاعبي خط الوسط في “الكالتشيو”، منافساً نجوماً يصغرونه بعقد من الزمان مثل نيكولو باريلا وهاكان كالهان أوجلو.
فجوة القيادة في مدريد وحسرة ألونسو
على الجانب الآخر من البحر المتوسط، يعيش ريال مدريد حالة من التخبط الفني وفقدان الهوية في وسط الملعب. التقارير الواردة من “فالديبيباس” تؤكد أن رحيل مودريتش ترك فراغاً قيادياً هائلاً في غرفة الملابس، خاصة مع غياب الشخصيات المخضرمة وإصابة داني كارفاخال ورحيل لوكاس فاسكيز. وتشير المصادر إلى أن المدرب الحالي للميرنجي، تشابي ألونسو، كان من أشد المتمسكين ببقاء مودريتش، مدركاً أن الخبرة لا تُشترى، وأن توجيه النجوم الشباب يحتاج لـ “جنرال” في الميدان.
سياسة بيريز: الشباب أولاً
لفهم سياق هذا الرحيل، يجب النظر إلى الاستراتيجية العامة التي ينتهجها فلورنتينو بيريز، رئيس ريال مدريد. تاريخياً، لم يتردد النادي الملكي في التخلي عن أساطيره (مثل راؤول وكاسياس) عندما تتعارض عواطف الجماهير مع الرؤية المستقبلية للإدارة. القرار الذي اتُخذ في ربيع 2024 بعدم التجديد لمودريتش جاء ضمن خطة صارمة لـ “إعادة الهيكلة” والاعتماد الكلي على الرباعي الشاب (تشواميني، كامافينجا، فالفيردي، وأردا جولر).
تأثير الرحيل على التوازن التكتيكي
رغم أن مودريتش عرض تخفيض راتبه للبقاء، ورغم رغبة ألونسو الفنية، غلبت كفة الإدارة الاقتصادية والمستقبلية. والنتيجة اليوم هي مفارقة صارخة: ميلان يستفيد من “عقل” كروي يدير إيقاع اللعب ببراعة، بينما يمتلك ريال مدريد “عضلات” شابة تفتقد أحياناً للحكمة في إدارة اللحظات الحاسمة. رحيل مودريتش لم يكن مجرد انتقال لاعب، بل كان إعلاناً عن نهاية حقبة وبداية أخرى، يبدو أن النادي الملكي لا يزال يعاني من آلام مخاضها، بينما يستمتع الكرواتي بربيعه الجديد في سان سيرو.


