في تطور مفاجئ يلقي بظلاله على مساعي اليابان لاستعادة دورها في مجال الطاقة النووية، أُعلن اليوم الخميس عن وقف العمل في محطة كاشيوازاكي-كاريوا، المصنفة كأكبر محطة نووية في العالم من حيث القدرة الإنتاجية، وذلك بعد ساعات قليلة فقط من إعادة تشغيل أحد مفاعلاتها. وجاء هذا القرار بحسب ما أكدته الشركة المشغلة "تيبكو" (شركة طوكيو للطاقة الكهربائية)، مما يعيد الجدل حول سلامة ومستقبل الطاقة النووية في البلاد.
تفاصيل الحادثة والأسباب التقنية
أوضح تاكاشي كوباياشي، المتحدث الرسمي باسم شركة "تيبكو"، أن قرار التعليق جاء استجابة فورية لإطلاق صفارة إنذار في نظام المراقبة الحساسة خلال عمليات تشغيل المفاعل. وأكدت الشركة أن المفاعل حالياً في حالة مستقرة تماماً، ولم يتم رصد أي تسرب إشعاعي أو تأثير سلبي على البيئة المحيطة، مشيرة إلى أن التحقيقات جارية لمعرفة السبب الدقيق وراء انطلاق الإنذار، دون تحديد موعد زمني لاستئناف العمليات.
الجدير بالذكر أن عملية إعادة التشغيل كانت قد واجهت عقبات سابقة، حيث كان من المقرر أن تبدأ يوم الثلاثاء الماضي، إلا أنها أُجلت بسبب مشكلة تقنية مشابهة مرتبطة بنظام الإنذار، تم حلها يوم الأحد قبل المحاولة الأخيرة.
ظلال كارثة فوكوشيما والسياق التاريخي
تكتسب هذه الحادثة حساسية خاصة نظراً للتاريخ القريب لليابان مع الكوارث النووية. فقد خرجت محطة كاشيوازاكي-كاريوا، الواقعة في مقاطعة نيغاتا (الوسط الغربي)، عن الخدمة كجزء من الإغلاق الشامل للمفاعلات النووية في اليابان عقب المأساة الثلاثية في مارس 2011 (زلزال، تسونامي، وكارثة فوكوشيما النووية). ومنذ ذلك الحين، خضعت المحطات اليابانية لمعايير سلامة صارمة جداً، وتعتبر هذه المحاولة لإعادة التشغيل خطوة محورية في تجاوز تلك الحقبة.
الأهمية الاستراتيجية وتحديات الطاقة
يأتي السعي الياباني الحثيث لإعادة تشغيل المفاعلات النووية مدفوعاً بحاجة اقتصادية واستراتيجية ملحة. فاليابان، التي تفتقر للموارد الطبيعية، تسعى لتقليل اعتمادها الكبير على استيراد الوقود الأحفوري المكلف والملوث. وتستهدف الحكومة تحقيق الحياد الكربوني بحلول عام 2050، بالإضافة إلى تلبية الطلب المتزايد بشكل هائل على الكهرباء نتيجة التوسع في مراكز البيانات وتقنيات الذكاء الاصطناعي.
انقسام الشارع الياباني
رغم الموافقة الرسمية من حاكم مقاطعة نيغاتا الشهر الماضي، والدعم الحكومي المتمثل في تصريحات رئيسة الوزراء ساناي تاكايتشي المؤيدة للطاقة النووية المدنية، لا يزال الشارع الياباني منقسماً بشدة. وقد أظهرت استطلاعات الرأي المحلية معارضة ما يقرب من 60% من السكان لإعادة التشغيل، مقابل تأييد 37% فقط. وقد تجلى هذا الرفض في تظاهرات نظمها عشرات المواطنين، أغلبهم من كبار السن، أمام المحطة رغم قسوة البرد، مما يعكس استمرار المخاوف العميقة من تكرار سيناريوهات الكوارث السابقة.


