يعيش الشارع الرياضي الإيطالي حالة من الصدمة والترقب بعد الإعلان الرسمي عن استقالة غابرييلي غرافينا، رئيس الاتحاد الإيطالي لكرة القدم، وذلك على خلفية الإخفاق الكارثي للمنتخب الوطني في حجز بطاقة العبور إلى مونديال 2026. هذا الحدث لم يكن مجرد تعثر رياضي عابر، بل يمثل نقطة تحول مفصلية في تاريخ واحدة من أعرق المدارس الكروية في العالم، مما يفتح الباب أمام تغييرات جذرية مرتقبة في هيكل الكرة الإيطالية.
صدمة الغياب عن مونديال 2026 وتفاصيل الاستقالة
أعلنت الهيئة الكروية الإيطالية يوم الخميس أن غابرييلي غرافينا قدم استقالته رسمياً لأعضاء المجلس الفيدرالي، متخلياً عن الولاية الثالثة التي مُنحت له في فبراير 2025. وجاء هذا القرار الحاسم بعد فشل منتخب إيطاليا في التأهل إلى مونديال 2026، المقرر إقامته في الولايات المتحدة وكندا والمكسيك بين 11 يونيو و19 يوليو. وقد دعا غرافينا إلى عقد جمعية انتخابية استثنائية في 22 يونيو المقبل في العاصمة روما لاختيار قيادة جديدة.
تعرض غرافينا (72 عاماً)، الذي تولى منصبه منذ أكتوبر 2018 ويشغل أيضاً منصب النائب الأول لرئيس الاتحاد الأوروبي لكرة القدم (ويفا)، لضغوط هائلة بعد الخسارة المؤلمة يوم الثلاثاء في نهائي ملحق التصفيات الأوروبية أمام منتخب البوسنة والهرسك بركلات الترجيح (1-4) بعد التعادل (1-1). ورغم محاولاته الأولية لامتصاص الغضب عبر الدعوة لاجتماع تقييمي، إلا أن مطالبة وزير الرياضة الإيطالي أندريا أبودي باستقالته الفورية، ووصف الصحافة الإيطالية للخروج بأنه “نهاية العالم الثالثة”، عجلت برحيله.
السياق التاريخي: لعنة كأس العالم تطارد “الأتزوري”
لفهم حجم الكارثة الحالية، يجب النظر إلى السياق التاريخي الحديث للمنتخب الإيطالي. فمنذ تتويج إيطاليا بلقب كأس العالم عام 2006 في ألمانيا، دخلت الكرة الإيطالية في نفق مظلم على صعيد المونديال. فقد خرج المنتخب من دور المجموعات في نسختي 2010 و2014، مما أدى حينها إلى استقالة رئيس الاتحاد جيانكارلو أبيتي.
وتفاقمت الأزمة بشكل غير مسبوق عندما فشلت إيطاليا في التأهل لنسخة 2018 في روسيا بعد الخسارة أمام السويد في الملحق، وهو ما أجبر الرئيس السابق كارلو تافيكيو على الاستقالة. ورغم الصحوة المؤقتة والتتويج بلقب كأس أمم أوروبا (يورو 2020) تحت قيادة روبرتو مانشيني، عادت اللعنة لتضرب “الأتزوري” بالغياب عن مونديال 2022 في قطر إثر الخسارة الصادمة أمام مقدونيا الشمالية، لتكتمل المأساة الآن بالغياب الثالث على التوالي عن العرس الكروي العالمي.
تداعيات الفشل في بلوغ مونديال 2026 محلياً ودولياً
إن غياب إيطاليا عن مونديال 2026 يحمل تداعيات عميقة تتجاوز مجرد خيبة الأمل الرياضية. على الصعيد المحلي، سيؤدي هذا الإخفاق إلى خسائر مالية فادحة للاتحاد الإيطالي والأندية، تتمثل في تراجع عوائد البث التلفزيوني وعقود الرعاية، فضلاً عن التأثير السلبي على شعبية اللعبة بين الأجيال الشابة في إيطاليا. كما يسلط الضوء على أزمة هيكلية في نظام تطوير المواهب والاعتماد المفرط على اللاعبين الأجانب في الدوري الإيطالي (السيري آ).
أما على الصعيدين الإقليمي والدولي، فإن غياب بطل العالم أربع مرات يُفقد البطولة جزءاً من بريقها وتنافسيتها التاريخية. كما أن استقالة غرافينا قد تترك فراغاً إدارياً مؤقتاً في أروقة الاتحاد الأوروبي لكرة القدم، نظراً لعلاقته الوثيقة برئيس “اليويفا” ألكسندر تشيفيرين، مما قد يؤثر على التوازنات السياسية الرياضية في القارة العجوز.
مرحلة انتقالية ومستقبل غامض للكرة الإيطالية
مع اقتراب موعد الجمعية الانتخابية في 22 يونيو، تتجه الأنظار نحو الأسماء المرشحة لانتشال الكرة الإيطالية من كبوتها. ويبرز اسم جيوفاني مالاغو، الرئيس السابق للجنة الأولمبية الإيطالية ورئيس لجنة تنظيم أولمبياد ميلانو-كورتينا 2026 الشتوية، كأحد أقوى المرشحين لتولي هذه المهمة الشاقة بفضل خبرته الإدارية الواسعة.
وفي خضم هذه العاصفة الإدارية، تشير التقارير الصحفية الإيطالية إلى أن التغييرات لن تقتصر على الهرم الإداري. فمن المتوقع أن يقدم مدرب المنتخب جينارو غاتوزو، الذي عُين في يونيو 2025، استقالته قريباً، إلى جانب المدير العام للمنتخب والحارس الأسطوري السابق جانلويجي بوفون، مما يمهد الطريق لعملية إعادة بناء شاملة لـ “الأتزوري” من الصفر، أملاً في استعادة الأمجاد الغائبة.


