شهد التطوع الصحي في السعودية خلال عام 2025 قفزات استثنائية تعكس مدى التطور في مؤشرات المشاركة المجتمعية وتفعيل العمل التطوعي. وتأتي هذه الإنجازات ضمن مساعي المملكة لتوسيع دور القطاع غير الربحي، مما يعزز استدامة الخدمات الطبية ويوثق الشراكة الفاعلة بين أفراد المجتمع والمنظومة الصحية. وقد كشفت البيانات الإحصائية الحديثة عن إنجاز لافت تمثل في تنفيذ المتطوعين نحو مليوني ساعة تطوعية ضمن المنظمات الصحية غير الربحية خلال العام الجاري.
جذور وتطور التطوع الصحي في السعودية
لم يكن هذا النمو المتسارع في التطوع الصحي في السعودية وليد اللحظة، بل هو ثمرة تخطيط استراتيجي يمتد لسنوات. تاريخياً، كان العمل التطوعي في القطاع الصحي يبرز بشكل رئيسي خلال الأزمات والطوارئ، مثل جائحة كورونا التي أثبتت أهمية وجود كوادر مساندة ومؤهلة. ومع انطلاق رؤية المملكة 2030، تم مأسسة العمل التطوعي بهدف الوصول إلى مليون متطوع في مختلف القطاعات. وقد أثمرت هذه الجهود عن تحويل التطوع من جهود فردية متناثرة إلى عمل مؤسسي منظم تقوده وزارة الصحة والجهات المعنية، مما خلق بيئة محفزة للممارسين الصحيين وأفراد المجتمع للمساهمة بوقتهم وجهدهم بفاعلية.
توسع المبادرات الإنسانية وتضاعف أعداد المتطوعين
أظهرت التقارير مشاركة أكثر من 32 ألف متطوع في المبادرات الإنسانية والصحية، مقارنة بنحو ثمانية آلاف متطوع فقط في عام 2023. وأفادت المؤشرات بأن هذه الأرقام تعكس تضاعف أعداد الكوادر التطوعية ثلاث مرات خلال عامين فقط، مما يدعم المنظومة الطبية بطاقات بشرية هائلة قادرة على إحداث فارق حقيقي في جودة الرعاية المقدمة للمرضى.
نمو المنظمات غير الربحية في القطاع الصحي
بيّنت الإحصائيات ارتفاعاً ملموساً في عدد المنظمات غير الربحية العاملة تحت إشراف وزارة الصحة، ليصل إلى 360 منظمة بنهاية 2025. وأوضحت البيانات أن هذا الرقم يمثل نسبة نمو بلغت 80% مقارنة بعام 2023، في دلالة قاطعة على تنامي دور القطاع الثالث في تقديم الخدمات الوقائية والمساندة، وتخفيف العبء عن المستشفيات الحكومية والخاصة.
طفرة نسائية ومستويات عالمية في التبرع بالدم
وفيما يخص بنوك الدم، حققت المملكة مستويات عالمية متقدمة، حيث سجلت نسبة التبرع الطوعي 99% خلال عام 2025. وأكدت المصادر الطبية أن هذه النسبة تعكس زيادة قدرها 8% عن العام السابق، مما يضمن تدفقاً آمناً ومستمراً للمحتاجين لعمليات نقل الدم المُنقذة للحياة. وبرز دور المرأة السعودية بقوة غير مسبوقة في هذا المجال الحيوي، إذ سجل مؤشر استقطاب التبرع النسائي 17.2%. واعتبر المراقبون الصحيون أن تحقيق الإقبال النسائي لنمو لافت بلغ 72 بالمائة يترجم ارتفاع مستوى الوعي الصحي وتوسع قاعدة المشاركة المجتمعية الفاعلة.
الأثر الاستراتيجي لنمو العمل التطوعي الصحي
يحمل هذا التطور أبعاداً بالغة الأهمية على مستويات عدة. محلياً، يساهم هذا الزخم في سد الفجوات في الرعاية الصحية، خاصة في تقديم الدعم اللوجستي والتوعوي، ويوفر دعماً نفسياً ومادياً للمرضى. إقليمياً، يرسخ هذا النجاح مكانة المملكة كنموذج رائد في دمج القطاع غير الربحي ضمن المنظومة الصحية، مما يقدم تجربة مؤسسية ملهمة. أما على الصعيد الدولي، فإن تحقيق نسبة 99% في التبرع الطوعي بالدم يتماشى تماماً مع أهداف منظمة الصحة العالمية التي تحث الدول على الاعتماد الكامل على التبرع الطوعي غير المدفوع الأجر لضمان مأمونية الدم وتوفره.
منصة شفاء: ابتكار في الوقف الصحي والدعم المجتمعي
على صعيد الابتكار في الوقف الصحي، أثبتت منصة «شفاء» جدارتها العالية في تعزيز الدعم المجتمعي الموجه لتغطية تكاليف الخدمات العلاجية للمستفيدين المحتاجين. وأعلنت المنصة عن تجاوز إجمالي التبرعات المالية حاجز 84 مليون ريال، مسجلة نمواً إيجابياً بنسبة 23% مقارنة بالفترة ذاتها من العام الماضي. هذا التكاتف المالي يعكس ثقة المجتمع في القنوات الرسمية ورغبته الصادقة في تقديم الدعم الإنساني المستدام.


