شهدت أسعار الذهب اليوم الثلاثاء ارتفاعاً ملحوظاً بنسبة بلغت 1%، وذلك بالتزامن مع انحسار مخاوف التضخم العالمية وتراجع أسعار النفط. هذا الصعود يعكس حالة من التفاؤل الحذر في الأسواق المالية، حيث يتجه المستثمرون نحو إعادة تقييم محافظهم الاستثمارية في ضوء المتغيرات الاقتصادية والسياسية الأخيرة.
العوامل المؤثرة على أسعار الذهب عالمياً
وجاء هذا الارتفاع في أسعار الذهب استجابةً لعدة عوامل متداخلة، أبرزها تصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب التي أشار فيها إلى أن الحرب الدائرة في الشرق الأوسط قد “تنتهي قريباً”. وفي الوقت ذاته، قدم تراجع قيمة الدولار الأمريكي وانخفاض عوائد سندات الخزانة الأمريكية دعماً إضافياً قوياً للمعدن النفيس. وقد صعد الذهب في المعاملات الفورية ليصل إلى 5189.24 دولاراً للأوقية بحلول الساعة 08:44 بتوقيت غرينتش، كما ارتفعت العقود الآجلة للذهب في الولايات المتحدة تسليم شهر أبريل بنسبة 1.9% لتسجل 5199.70 دولاراً.
السياق التاريخي: الذهب كملاذ آمن وقت الأزمات
تاريخياً، طالما لعب الذهب دور الملاذ الآمن للمستثمرين خلال فترات عدم اليقين الجيوسياسي والتقلبات الاقتصادية الحادة. ففي أوقات الحروب والأزمات التي تهدد سلاسل الإمداد العالمية، وخاصة إمدادات الطاقة، يميل رأس المال إلى الهروب من الأصول ذات المخاطر العالية نحو المعادن النفيسة. وقد أدت التوترات الأخيرة بالفعل إلى تعطيل حركة الملاحة في مضيق هرمز الاستراتيجي، الذي يمر عبره نحو خُمس إمدادات النفط العالمية. هذا التعطيل أسفر عن احتجاز ناقلات النفط لأكثر من أسبوع وإجبار المنتجين على وقف الإنتاج مع امتلاء مرافق التخزين، مما دفع أسعار الطاقة إلى تقلبات حادة قبل أن تتراجع مؤخراً بأكثر من 7% عقب التصريحات المهدئة للمخاوف بشأن حدوث اضطرابات طويلة الأمد. وفي المقابل، كانت قوات الحرس الثوري الإيراني قد حذرت من أنها لن تسمح بتصدير “لتر واحد من النفط” من المنطقة إذا استمرت الهجمات الأمريكية والإسرائيلية.
التأثيرات الاقتصادية على الأسواق المحلية والدولية
يحمل هذا التغير في أسعار الذهب والنفط تأثيرات واسعة النطاق على المستويات المحلية والإقليمية والدولية. فعلى الصعيد الدولي، أدى تراجع الدولار بنسبة 0.6% إلى أدنى مستوى له في أسبوع إلى جعل الذهب المسعر بالعملة الأمريكية أقل تكلفة لحائزي العملات الأخرى، مما يعزز الطلب العالمي عليه. كما أن انخفاض عوائد سندات الخزانة الأمريكية القياسية لأجل 10 سنوات يقلل من تكلفة الفرصة البديلة للاحتفاظ بالذهب الذي لا يدر عائداً ثابتاً. وأوضح ريكاردو إيفانجيليستا، المحلل لدى شركة “أكتيف تريدز”، أن تعافي أسواق الأسهم العالمية ساهم أيضاً في دعم الذهب، نظراً لانخفاض متطلبات الهامش في الأسواق الأخرى، معتبراً أن تراجع الدولار وعوائد السندات يمثلان عاملين إيجابيين لأسواق الذهب خلال تعاملات اليوم، بحسب وكالة رويترز.
ترقب لقرارات الفيدرالي الأمريكي وبيانات التضخم
وفي خضم هذه التطورات، تترقب الأسواق المالية عن كثب الخطوات القادمة لمجلس الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي. يتوقع المستثمرون أن يبقي البنك المركزي على أسعار الفائدة دون تغيير في ختام اجتماعه الذي يستمر يومين في 18 مارس. ومع ذلك، تُرجح التوقعات، وفقاً لأداة “فيد ووتش” التابعة لشركة “سي إم إي جروب”، بدء أول خفض للفائدة هذا العام بحلول شهر يوليو. وتتجه أنظار المحللين نحو صدور مؤشر أسعار المستهلكين في الولايات المتحدة لشهر فبراير يوم الأربعاء، إلى جانب مؤشر نفقات الاستهلاك الشخصي (PCE) يوم الجمعة، والذي يُعد مقياس التضخم المفضل لدى الاحتياطي الفيدرالي، لتحديد مسار السياسة النقدية المستقبلية.
أداء المعادن النفيسة الأخرى
وبالنسبة للمعادن النفيسة الأخرى التي غالباً ما تتبع مسار الذهب، فقد شهدت هي الأخرى انتعاشاً ملحوظاً. ارتفعت الفضة في المعاملات الفورية بنسبة 2.5% لتصل إلى 89.21 دولاراً للأوقية، مسجلة أعلى مستوى لها في أسبوع. كما صعد البلاتين بنسبة 1.9% ليبلغ 2224.06 دولاراً، في حين ارتفع البلاديوم بنسبة 0.5% ليسجل 1696.76 دولاراً. تعكس هذه الارتفاعات الجماعية حالة من الثقة المتجددة في قطاع المعادن الثمينة ككل وسط المشهد الاقتصادي العالمي الراهن.


