سجلت أسواق المعادن النفيسة تحولاً تاريخياً غير مسبوق خلال تعاملات اليوم الثلاثاء، حيث تجاوزت أسعار الذهب حاجز 4700 دولار للأوقية للمرة الأولى على الإطلاق، مدفوعة بموجة من القلق العالمي ولجوء المستثمرين إلى الملاذات الآمنة. ويأتي هذا الصعود القياسي استجابةً مباشرة لتصاعد التوترات الجيوسياسية والاقتصادية التي أثارتها تحركات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الأخيرة.
وفي التفاصيل، قفز سعر الذهب في المعاملات الفورية بنسبة 0.7% ليصل إلى 4,699.93 دولار للأوقية بحلول الساعة 05:14 بتوقيت جرينتش، بعد أن لامس ذروة تاريخية عند 4,701.23 دولار في وقت سابق من الجلسة. كما صعدت العقود الآجلة الأمريكية للذهب تسليم فبراير بنسبة 2.4% لتسجل 4,706.50 دولار للأوقية. ولم تكن الفضة بعيدة عن المشهد، حيث تداولت قرب أعلى مستوياتها التاريخية رغم تراجع طفيف بنسبة 0.4% لتستقر عند 94.27 دولار للأوقية.
التوترات الجيوسياسية ومخاوف الحرب التجارية
يعزو المحللون هذا الاندفاع نحو المعدن الأصفر إلى حالة “عدم اليقين” التي تسيطر على الأسواق العالمية. فقد أدت تهديدات الرئيس ترامب بفرض رسوم جمركية إضافية على الحلفاء الأوروبيين إلى إحياء مخاوف اندلاع حرب تجارية عالمية قد تضر بالنمو الاقتصادي. وتفاقم الوضع مع تصعيد ترامب لتحركاته الرامية لانتزاع السيادة على جزيرة “جرينلاند” من الدنمارك، العضو في حلف الناتو، مما دفع الاتحاد الأوروبي للتلويح بإجراءات مضادة، وهو ما خلق بيئة مثالية لازدهار أصول الملاذ الآمن.
وفي هذا السياق، أشار تيم ووترر، كبير محللي الأسواق لدى KCM Trade، إلى أن النهج السياسي للرئيس الأمريكي، الذي وصفه بـ”المربك”، بالإضافة إلى رغبته المعلنة في خفض أسعار الفائدة، يصبان بشكل مباشر في مصلحة المعادن النفيسة. وأكد أن الفترة الرئاسية الثانية لترامب كانت بمثابة محرك قوي للذهب، الذي ارتفع بنسبة تجاوزت 70% منذ بدء ولايته قبل عام.
أزمة استقلالية الفيدرالي والسياسة النقدية
عامل آخر لا يقل أهمية يدعم صعود الذهب، يتمثل في المخاوف المتزايدة بشأن استقلالية مجلس الاحتياطي الفيدرالي (البنك المركزي الأمريكي). وتترقب الأسواق هذا الأسبوع نظر المحكمة العليا الأمريكية في قضية تتعلق بمحاولة ترامب إقالة محافظة الاحتياطي الفيدرالي، ليزا كوك. ويرى المستثمرون أن أي مساس باستقلالية البنك المركزي قد يؤدي إلى سياسات نقدية غير منضبطة، مما يعزز جاذبية الذهب كأداة للتحوط ضد التضخم وعدم الاستقرار المالي.
وعلى الرغم من ضغوط ترامب لخفض الفائدة، تشير التوقعات إلى أن الاحتياطي الفيدرالي سيبقي أسعار الفائدة دون تغيير في اجتماعه المقرر يومي 27 و28 يناير. ومع ذلك، يرى كلفن وونغ، كبير محللي الأسواق لدى OANDA، أن دورة خفض الفائدة ستستمر حتى عام 2026 نظراً لتباطؤ سوق العمل وضعف ثقة المستهلكين، وهو سيناريو يدعم الذهب الذي يزدهر عادة في بيئات أسعار الفائدة المنخفضة.
وعلى صعيد المعادن الأخرى، تباينت الأداءات، حيث انخفض البلاتين في المعاملات الفورية بنسبة 0.8% إلى 2,355.60 دولار للأوقية، وتراجع البلاديوم بنسبة 0.7% مسجلاً 1,828.58 دولار، مما يؤكد تركيز السيولة الاستثمارية بشكل أساسي على الذهب والفضة كأدوات تحوط رئيسية في هذه المرحلة الحرجة.


