شهدت الأسواق العالمية للمعادن النفيسة اليوم الجمعة تحولات دراماتيكية، حيث حلقت أسعار الذهب والفضة لتسجل مستويات قياسية جديدة لم يشهدها التاريخ الاقتصادي من قبل. يأتي هذا الصعود الصاروخي مدفوعاً بموجة شراء مكثفة بحثاً عن الملاذات الآمنة، بالتزامن مع تزايد المؤشرات القوية حول نية مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي خفض أسعار الفائدة مجدداً خلال العام المقبل، مما أضعف من جاذبية الدولار وعزز من قوة المعدن الأصفر.
قفزة تاريخية في المعاملات الفورية والآجلة
في تفاصيل التداولات، ارتفع الذهب في المعاملات الفورية بنسبة 0.5% ليصل إلى سعر خيالي بلغ 4502.75 دولار للأوقية (الأونصة)، وذلك بعد أن لامس مستوى 4530.60 دولاراً في وقت سابق من الجلسة، وهو رقم يمثل علامة فارقة في تاريخ الأسواق المالية. ولم تكن العقود الآجلة بمنأى عن هذا الصعود، حيث ارتفعت العقود الأمريكية للذهب تسليم فبراير بنسبة 0.7% لتستقر عند قمة جديدة بلغت 4533.60 دولاراً للأوقية.
أداء استثنائي للمعادن الأخرى
لم يقتصر الصعود على الذهب فحسب، بل لحقت به الفضة التي ارتفعت في المعاملات الفورية بنسبة 3.4% لتصل إلى 74.35 دولاراً للأوقية، مسجلة أعلى مستوى لها على الإطلاق عند 75.14 دولاراً خلال الجلسة. كما حقق البلاتين قفزة هائلة بنسبة 8% ليصل إلى مستوى غير مسبوق عند 2413.62 دولاراً للأوقية، وصعد البلاديوم بنسبة 4.4% مسجلاً 1757.25 دولاراً.
السياق الاقتصادي وأهمية الحدث
يأتي هذا الارتفاع الجنوني في وقت يواجه فيه الاقتصاد العالمي تحديات هيكلية تدفع المستثمرين للهروب من العملات الورقية التقليدية نحو الأصول الملموسة. تاريخياً، يعتبر الذهب المخزن الحقيقي للقيمة، وتجاوزه لحاجز الـ 4500 دولار يعكس مخاوف عميقة لدى الأسواق بشأن معدلات التضخم المستقبلية واستقرار النظام المالي العالمي. إن العلاقة العكسية بين أسعار الفائدة والذهب تلعب دوراً محورياً هنا؛ حيث يؤدي خفض الفائدة إلى تقليل تكلفة الفرصة البديلة لحيازة المعدن الذي لا يدر عائداً، مما يجعله الخيار الاستثماري الأفضل.
التأثيرات المتوقعة محلياً وعالمياً
من المتوقع أن يلقي هذا الارتفاع بظلاله على الأسواق المحلية في المنطقة العربية والعالم، حيث ستشهد أسواق المصوغات والمجوهرات حالة من الترقب والحذر نتيجة ارتفاع التكاليف على المستهلك النهائي. على الصعيد الدولي، قد يدفع هذا السعر البنوك المركزية إلى إعادة تقييم احتياطياتها من الذهب، مما يعزز من ميزانياتها العمومية، ولكنه في الوقت نفسه قد يشير إلى بداية دورة جديدة من السلع الفائقة (Super Cycle) التي قد تؤثر على تكاليف الإنتاج الصناعي، خاصة مع الارتفاع الكبير في أسعار الفضة والبلاديوم والبلاتين التي تدخل في العديد من الصناعات التكنولوجية والسيارات.


