بعد أن شهدت الأسواق المالية عاماً استثنائياً بكل المقاييس، تتجه الأنظار الآن صوب توقعات أسعار الذهب في 2026، وسط إجماع من كبرى المؤسسات المالية العالمية على استمرار الزخم الصعودي. يأتي هذا التفاؤل بعد أن حقق المعدن النفيس أقوى أداء سنوي له منذ عام 1971، مما يعيد تشكيل الخريطة الاستثمارية العالمية ويعزز من مكانة الذهب كمخزن للقيمة في أوقات الأزمات.
السياق التاريخي: لماذا يعتبر الذهب الملاذ الآمن؟
لفهم ضخامة الأرقام الحالية، يجب العودة إلى الوراء قليلاً. تاريخياً، لطالما كان الذهب هو المعيار الذي تلجأ إليه الدول والأفراد لحماية ثرواتهم ضد التضخم وتقلبات العملات الورقية. الأداء الذي شهده عام 2025، والذي وُصف بالأقوى منذ أكثر من 50 عاماً، يعكس حالة من القلق الاقتصادي العالمي والبحث عن الأمان، وهو سيناريو مشابه لما حدث عقب صدمة نيكسون وإنهاء ارتباط الدولار بالذهب، مما يؤكد أن الدوافع الحالية للصعود تستند إلى أساسيات اقتصادية قوية وليست مجرد فقاعة سعرية.
حصاد 2025: أرقام قياسية للذهب والفضة
كان عام 2025 عاماً فارقاً في تاريخ المعادن النفيسة، حيث سجلت الأسعار قفزات نوعية:
- الذهب: بدأ الربع الأول عند مستويات 3066 دولاراً للأوقية، لينهي العام بمكاسب مذهلة بلغت 65%، مسجلاً 4312 دولاراً في آخر أيام التداول.
- الفضة: كانت النجم الساطع بأداء فاق التوقعات، حيث قفزت من 29.5 دولار في يناير لتتجاوز 72 دولاراً بنهاية العام، محققة ارتفاعاً تجاوز 150%.
توقعات البنوك الكبرى لعام 2026
بناءً على هذه المعطيات، قامت البنوك الاستثمارية الكبرى بتحديث نظرتها المستقبلية، حيث تتراوح التوقعات لمتوسط سعر الأوقية بين 4500 و4700 دولار، مع سيناريوهات ترجح كسر حاجز الـ 5000 دولار:
- بنك أوف أمريكا (BofA) وسوسيتيه جنرال: يتوقعان وصول السعر إلى 5000 دولار للأوقية خلال 2026.
- جولدمان ساكس: يرى أن المعدن الأصفر سيصل إلى 4900 دولار بحلول ديسمبر 2026.
- إتش إس بي سي (HSBC): يدعم سيناريو الـ 5000 دولار، مرجعاً ذلك إلى ضعف الدولار والمخاطر الجيوسياسية.
- بنك يو بي إس (UBS): يشير إلى أن انخفاض أسعار الفائدة الحقيقية قد يدفع الأسعار نحو 4700 دولار.
العوامل المؤثرة والتأثير الاقتصادي المتوقع
لا يعتمد صعود الذهب على المضاربات فحسب، بل تحركه عوامل جيوسياسية واقتصادية عميقة. استمرار التوترات الدولية، وحالة الغموض الاقتصادي، بالإضافة إلى سياسات الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي بشأن أسعار الفائدة، كلها عوامل تضغط على الدولار وتزيد من جاذبية الذهب. محلياً وإقليمياً، قد يؤدي هذا الارتفاع إلى زيادة قيمة الاحتياطيات الوطنية للدول التي تمتلك أرصدة كبيرة من الذهب، ولكنه في المقابل قد يرفع تكلفة المجوهرات والمنتجات الصناعية المعتمدة على المعادن الثمينة، مما يؤثر على أنماط الاستهلاك في الأسواق الناشئة.
هل تنعكس الآية في النصف الثاني من 2026؟
رغم التفاؤل السائد، تحذر بعض التحليلات من إمكانية حدوث تصحيح سعري. تشير التوقعات إلى أن النصف الأول من 2026 سيشهد استمراراً للارتفاع مدفوعاً بارتفاع الدين العام وعدم استقرار السياسات. ومع ذلك، قد تبدأ الأسعار في الانخفاض التدريجي في النصف الثاني من العام، تزامناً مع اختتام الاحتياطي الفيدرالي لدورة التيسير النقدي، مما قد يعيد بعض القوة للدولار ويقلل من جاذبية الأصول التي لا تدر عائداً كالذهب.


