شهدت أسواق المال العالمية تحولات دراماتيكية مع دخول المعدن الأصفر مرحلة تاريخية جديدة، حيث قفزت أسعار الذهب مسجلة أكبر وتيرة صعود منذ عام 1979. وقد اقترب السعر من حاجز 4500 دولار للأوقية لأول مرة في التاريخ، محققاً مكاسب سنوية ناهزت 70%. هذا الأداء الاستثنائي لم يكن وليد الصدفة، بل جاء نتيجة تضافر عوامل اقتصادية وجيوسياسية معقدة أعادت تشكيل خريطة الاستثمار الآمن حول العالم.
السياق التاريخي والدوافع الاقتصادية
لفهم هذا الصعود الصاروخي، يجب النظر إلى الخلفية التاريخية؛ ففي عام 1979، ارتفع الذهب نتيجة التضخم الجامح والتوترات الجيوسياسية آنذاك. واليوم، يعيد التاريخ نفسه ولكن بآليات مختلفة، حيث تحول الذهب من مجرد أداة للتحوط المؤقت ضد التضخم إلى ركيزة أساسية في استراتيجيات التنويع الاستثماري طويلة الأمد. يأتي هذا التحول مدفوعاً بشكل رئيسي من قبل البنوك المركزية، لا سيما في الاقتصادات الناشئة، التي كثفت من مشترياتها للذهب لتقليل الاعتماد على الدولار الأمريكي وتنويع احتياطياتها الأجنبية وسط حالة من عدم اليقين الجيوسياسي العالمي.
علاوة على ذلك، لعبت سياسات التيسير النقدي وموجة خفض أسعار الفائدة التي انتهجتها البنوك المركزية الكبرى دوراً حاسماً في تقليل تكلفة الفرصة البديلة لحيازة الذهب، مما زاد من جاذبيته مقارنة بالسندات وأدوات الدين الأخرى.
توقعات البنوك الكبرى لعام 2026
مع الزخم الهائل الذي شهده عام 2025، أجمعت كبرى المؤسسات المالية العالمية على أن قطار الذهب سيواصل سيره بالسرعة القصوى خلال عام 2026، مع تباين طفيف في المستويات السعرية المستهدفة:
- بنك أوف أمريكا (Bank of America): يتبنى نظرة شديدة التفاؤل، متوقعاً أن يلامس سعر الذهب مستوى 5000 دولار للأوقية خلال العام المقبل، مستنداً في ذلك إلى توقعات بزيادة الطلب الاستثماري بنسبة تصل إلى 14%.
- جي بي مورجان (J.P. Morgan): تشير تحليلات قسم السلع العالمية في البنك إلى أن الدورة الصعودية لم تنتهِ بعد. ويرجح البنك استمرار ارتفاع الأسعار لتصل إلى 5000 دولار للأوقية بحلول نهاية 2026، مدعومة بتدفقات نقدية قوية نحو صناديق الاستثمار المتداولة.
- مورجان ستانلي (Morgan Stanley): يتوقع البنك استمرار الزخم الإيجابي، مرجحاً وصول سعر الأوقية إلى 4500 دولار بحلول منتصف عام 2026، مؤكداً أن الاتجاه العام للسوق لا يزال صعودياً بامتياز.
- ستاندرد تشارترد (Standard Chartered): يرى راجات بهاتاشاريا، كبير استراتيجيي الاستثمار، أن الذهب سيتفوق في أدائه على الأسهم والسندات العالمية، متوقعاً أن يحوم متوسط السعر حول 4500 دولار للأوقية.
هل نحن أمام فقاعة سعرية؟
رغم الارتفاعات القياسية، يقلل الخبراء من مخاوف حدوث "فقاعة". حيث أوضحت شانتيل شيفن، رئيسة قسم الأبحاث في "كابيتالايت ريسيرش"، أن السوق يمر بتحول هيكلي جذري وليس مجرد مضاربات عابرة. وأشارت إلى أن الأساسيات الاقتصادية الحالية تدعم بقاء الأسعار مرتفعة، مضيفة أن وصول الذهب إلى 5000 دولار في 2026 يعد سيناريو واقعياً للغاية في ظل المعطيات الراهنة.
2026: عام المستثمر الفردي
بينما شكلت مشتريات البنوك المركزية حجر الزاوية في الارتفاعات السابقة، يتوقع المحللون أن يلعب المستثمرون الأفراد دور البطولة في عام 2026. وتشير تقديرات "جي بي مورجان" إلى تدفقات متوقعة تبلغ نحو 250 طناً إلى صناديق الاستثمار المتداولة (ETFs) المدعومة بالذهب. كما يُتوقع أن يتجاوز الطلب الفعلي على السبائك والعملات الذهبية حاجز 1200 طن سنوياً، مما يعكس رغبة الأفراد في حماية مدخراتهم وتنويع محافظهم الاستثمارية في مواجهة التقلبات الاقتصادية المحتملة.


