أعربت الحكومة الألمانية، يوم الجمعة، عن شكوكها العميقة في احتمالية تقديم روسيا أي تنازلات جوهرية تهدف إلى تسوية النزاع القائم في أوكرانيا، وذلك تزامناً مع التحضيرات للمحادثات المرتقبة التي ستجمع مسؤولين من روسيا وأوكرانيا والولايات المتحدة الأمريكية. وتأتي هذه التصريحات لتعكس قلقاً أوروبياً متزايداً من أن تكون هذه المفاوضات مجرد مناورة سياسية دون نية حقيقية للسلام.
الشكوك الألمانية والمطالب الروسية القصوى
وفي مؤتمر صحفي عقد في برلين، صرح المتحدث باسم الحكومة الألمانية، شتيفان ماير، بأن برلين تراقب الوضع بحذر شديد، قائلاً: "نلاحظ أن هناك تساؤلات مهمة وقائمة حول مدى استعداد روسيا للتخلي عن مطالبها القصوى". وأوضح ماير أن الجانب الأوروبي، رغم عدم دعوته للجلوس مباشرة على طاولة هذه المفاوضات الثلاثية، إلا أنه تم التشاور معه بشكل وثيق، مما يؤكد وحدة الصف الغربي في مواجهة التحديات الأمنية.
وتتمحور المخاوف الألمانية حول إصرار الكرملين على شروط مسبقة يراها الغرب تعجيزية، حيث طالب الجانب الروسي بانسحاب القوات الأوكرانية من المناطق الشرقية والجنوبية التي أعلنت موسكو ضمها، معتبراً ذلك شرطاً ضرورياً لأي حل، وهو ما ترفضه كييف جملة وتفصيلاً وتعتبره مساساً بسيادتها الوطنية ووحدة أراضيها.
سياق الصراع: بين السلام الدائم والهدنة المؤقتة
لفهم عمق الموقف الألماني، يجب النظر إلى السياق التاريخي والعسكري للصراع الذي اندلع بشكل واسع في فبراير 2022. فالحرب لم تعد مجرد نزاع حدودي، بل تحولت إلى صراع استنزاف طويل الأمد أثر على الاقتصاد العالمي وأمن الطاقة في أوروبا. ومن هذا المنطلق، شدد المتحدث الألماني على أن أي اتفاق مستقبلي يجب أن "يرسي سلاماً دائماً" وليس مجرد وقف لإطلاق النار.
وأضاف ماير محذراً: "لن يتحقق شيء إذا كان اتفاق السلام يعني في نهاية المطاف مجرد مهلة لروسيا، يمكنها استغلالها لإعادة تنظيم صفوفها وشن هجمات جديدة لاحقاً". هذا التصريح يعكس الهاجس الأوروبي من تكرار سيناريوهات سابقة حيث تم استخدام الاتفاقيات الدبلوماسية كغطاء للتحضير لجولات عسكرية أعنف.
أهمية الضمانات الأمنية والموقف الأوكراني
وفي سياق متصل، أشار المسؤول الألماني إلى الأهمية القصوى لملف "الضمانات الأمنية" التي يتعين على الغرب تقديمها لأوكرانيا لضمان عدم تعرضها لعدوان مستقبلي. وتعتبر هذه الضمانات حجر الزاوية في أي مفاوضات، حيث تسعى كييف للحصول على التزامات دفاعية واضحة توازي في قوتها المادة الخامسة من ميثاق حلف الناتو.
من جانبه، لم يخفِ الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي إحباطه من التردد الأوروبي، حيث انتقد داعمي كييف السياسيين والماليين في القارة العجوز، معتبراً أن أوروبا "تبدو ضائعة" في محاولتها التأثير على القرار الأمريكي أو إقناع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بتغيير مساره. ويرى مراقبون أن هذه التصريحات تشير إلى قلق أوكراني من احتمالية فرض تسوية سياسية لا تلبي طموحات كييف في استعادة كامل أراضيها، خاصة في ظل المتغيرات السياسية الدولية.


