شهدت أسواق الطاقة الأوروبية تحولات دراماتيكية خلال تعاملات يوم الأربعاء، حيث قفزت أسعار الغاز الطبيعي لتكسر حاجز الـ 40 يورو لكل ميجاوات في الساعة، مسجلة بذلك أعلى مستوى لها منذ شهر يونيو الماضي. ويأتي هذا الارتفاع الملحوظ مدفوعاً بموجة من القلق تسود الأسواق العالمية بشأن التوقعات الجوية التي تشير إلى انخفاض حاد وغير معتاد في درجات الحرارة في مناطق واسعة من العالم، مما ينذر بزيادة الطلب على وقود التدفئة.
تفاصيل القفزة السعرية
وفقاً للبيانات الصادرة عن وسائل الإعلام الرسمية ومنصات تداول الطاقة، سجلت العقود الآجلة للغاز الطبيعي ارتفاعاً يومياً بنسبة بلغت 11.5%، وهو ما يعكس حالة التوتر التي يعيشها المتداولون. وبهذا الارتفاع الأخير، تكون أسعار الغاز قد سجلت زيادة إجمالية تتجاوز 40% منذ بداية العام الحالي، مما يضع ضغوطاً إضافية على الاقتصادات الأوروبية التي لا تزال تتعافى من تبعات أزمات الطاقة السابقة.
السياق العام: هشاشة سوق الطاقة الأوروبي
لا يمكن قراءة هذا الارتفاع بمعزل عن السياق التاريخي والجيوسياسي الذي تعيشه القارة الأوروبية منذ عام 2022. فبعد تقليص الاعتماد على الغاز الروسي، أصبحت السوق الأوروبية شديدة الحساسية لأي تقلبات في العرض أو الطلب. ورغم نجاح الدول الأوروبية في ملء مخزونات الغاز بنسب مرتفعة استعداداً للشتاء، إلا أن الاعتماد المتزايد على الغاز الطبيعي المسال (LNG) جعل الأسعار عرضة للتأثر بالمنافسة العالمية، خاصة مع الأسواق الآسيوية التي تشهد هي الأخرى طلباً متزايداً.
تأثير الطقس على معادلة العرض والطلب
تعتبر التوقعات الجوية المحرك الرئيسي للأسعار في الوقت الراهن. فالمخاوف من شتاء قارس البرودة تعني استنزافاً أسرع للمخزونات الاستراتيجية، مما يجبر الدول على دخول السوق الفورية للشراء بأسعار مرتفعة لضمان استمرار تدفق الطاقة للمنازل والمصانع. وأي انخفاض كبير في درجات الحرارة سيؤدي حتماً إلى زيادة استهلاك الغاز لتوليد الكهرباء والتدفئة، مما يهدد بعودة سيناريوهات ارتفاع فواتير الطاقة للمستهلكين.
التداعيات الاقتصادية المتوقعة
يحمل هذا الارتفاع في طياته تداعيات اقتصادية واسعة النطاق، سواء على المستوى المحلي أو الإقليمي. فارتفاع تكلفة الطاقة يغذي معدلات التضخم، مما يعقد مهمة البنوك المركزية في السيطرة على الأسعار دون الإضرار بالنمو الاقتصادي. كما أن القطاع الصناعي في أوروبا، وخاصة الصناعات كثيفة الاستهلاك للطاقة، قد يواجه تحديات في تكاليف التشغيل، مما قد يؤثر على تنافسية المنتجات الأوروبية في الأسواق العالمية.


