في عصر الثورة الرقمية المتسارعة، حيث تلاشت الحدود بين صانع الخبر ومتلقيه، وتداخلت منصات التواصل الاجتماعي مع المؤسسات الصحفية العريقة، يبرز تساؤل جوهري وملح حول الخيط الرفيع الذي يفصل بين حرية التعبير كحق إنساني وقانوني، وبين الفوضى الإعلامية التي تهدد استقرار المجتمعات. لم يعد النقاش مقتصراً على الأوساط النخبوية، بل بات حديث الساعة في ظل تدفق هائل للمعلومات يتطلب فرزاً دقيقاً بين الغث والسمين.
السياق العام: تحديات العصر الرقمي
تأتي هذه النقاشات في وقت يشهد فيه العالم تحولاً جذرياً في مفاهيم الإعلام، حيث انتقلت السلطة من حراس البوابة التقليديين إلى عموم الجمهور عبر الهواتف الذكية. هذا التحول التاريخي، رغم إيجابياته في تعزيز الشفافية، خلق بيئة خصبة لانتشار الشائعات والمعلومات المغلوطة بسرعة تفوق سرعة الحقيقة. وفي هذا الإطار، يأتي تأكيد وزير الإعلام على ضرورة عدم التسامح مع محاولات استغلال هامش الحرية لإثارة الفوضى أو تأجيج الرأي العام، مشدداً على أن حرية الرأي تظل مكفولة طالما بقيت ضمن الأطر النظامية التي تحترم عقل المتلقي وأمن المجتمع.
حرية التعبير: حق مكفول بضوابط
تكفل الأنظمة والتشريعات في المملكة حرية التعبير بشكل واضح، بما يشمل الحق في إبداء الرأي وطرح النقد البنّاء. يُنظر إلى هذا النقد باعتباره ركيزة أساسية لتطوير الأداء الحكومي والمؤسسي وتصحيح الممارسات الخاطئة. ومع ذلك، فإن هذه الحرية ليست مطلقة بلا قيود، بل هي مقيدة بضوابط تضمن عدم التعدي على حقوق الآخرين أو الإضرار بالمصلحة العامة، وهو مبدأ معمول به في كافة الديمقراطيات والأنظمة القانونية الرصينة حول العالم.
مفهوم الفوضى الإعلامية وتأثيرها
وفقاً لما توضحه الأنظمة الإعلامية، فإن الفوضى لا تنتج عن مجرد إبداء رأي مخالف، بل تكمن في الممارسات غير المهنية المصاحبة له. تشمل هذه الممارسات نشر معلومات غير دقيقة أو مضللة، واجتزاء التصريحات لإخراجها عن سياقها الأصلي، والتحريض غير المبرر، أو التشهير بالأفراد والمؤسسات دون سند قانوني أو وثائقي. هذه الممارسات لا تندرج تحت بند الحرية، بل تُعد تعدياً صارخاً على المهنية والمصداقية.
الأهمية الاستراتيجية لتنظيم الفضاء الإعلامي
يكتسب تنظيم العمل الإعلامي أهمية قصوى تتجاوز البعد المحلي لتصل إلى أبعاد إقليمية ودولية. فعلى الصعيد المحلي، يسهم ضبط الفضاء الإعلامي في حماية النسيج الاجتماعي من التمزق بفعل الشائعات، ويعزز الثقة بين المواطن والمؤسسات. أما إقليمياً ودولياً، فإن وجود إعلام محترف ومسؤول يعكس صورة حضارية للدولة، ويقطع الطريق أمام الحملات المغرضة التي قد تستغل الفوضى المعلوماتية للإضرار بسمعة الوطن ومصالحه الاقتصادية والسياسية.
النقد المسؤول: شريك في التنمية
ختاماً، أكد الدوسري أن تنظيم الإعلام لا يستهدف بأي حال من الأحوال تكميم الأفواه أو مصادرة الآراء، ولا يستهدف النقد المسؤول الذي يبني ولا يهدم. الهدف الأسمى هو ضبط الممارسات التي تتجاوز المهنية وتسهم في نشر الارتباك والتضليل، وذلك لتحقيق توازن دقيق يضمن بيئة إعلامية صحية تدعم الاستقرار وتساهم بفاعلية في مسيرة التنمية الوطنية الشاملة.


