يشهد العالم الرياضي ظاهرة فريدة تتمثل في تزايد الاهتمام المتبادل بين نجوم كرة القدم والشطرنج، حيث تحولت هذه اللعبة الذهنية من مجرد هواية جانبية إلى شغف حقيقي يسيطر على عقول أبرز لاعبي الساحرة المستديرة. يُعد النرويجي إيرلينغ هالاند، مهاجم مانشستر سيتي، والمصري محمد صلاح، نجم ليفربول، من أبرز الأسماء في الدوري الإنجليزي الممتاز الذين أعلنوا صراحة عن “إدمانهم” على ممارسة الشطرنج. هذا الشغف العلني لم يمر مرور الكرام، بل أسهم بشكل مباشر في إشعال موجة غير مسبوقة من ازدياد شعبية اللعبة بين فئة الشباب والمراهقين حول العالم.
الجذور التاريخية والنهضة الرقمية للعبة الأذكياء
تعود جذور الشطرنج إلى الهند في القرن السابع الميلادي، حيث عُرفت باسم “شطورانجا”، قبل أن تنتقل إلى بلاد فارس ومنها إلى العالم العربي ثم أوروبا. لكن تلك البدايات التاريخية المتواضعة تختلف تماماً عن الثورة التكنولوجية التي تسرّع طفرة اللعبة اليوم. فقد أصبحت التطبيقات الإلكترونية تتفوق على الرقعة الخشبية التقليدية باعتبارها ساحة اللعب الأكثر شيوعاً. ووفقاً للاتحاد الدولي للشطرنج (FIDE)، يحمل ما لا يقل عن 1.5 مليار شخص تطبيقاً للشطرنج على هواتفهم الذكية. وقد شهدت اللعبة عبر الإنترنت ازدهاراً هائلاً خلال جائحة كوفيد-19، مدعومة بالنجاح الساحق لمسلسل “مناورة الملكة” (The Queen’s Gambit) على منصة نتفليكس، مما مهد الطريق لدخول مشاهير الرياضة إلى هذا العالم التنافسي.
استثمارات وشغف: نجوم كرة القدم والشطرنج يغيرون المشهد
لم يقتصر الأمر على اللعب فقط، بل وصل إلى حد الاستثمار المالي. إيرلينغ هالاند، المعروف بشغفه الكبير، استثمر مؤخراً في جولة جديدة ومبتكرة للشطرنج تهدف إلى الاستفادة من الاهتمام المتزايد الذي يمنحه اللاعبون المشاهير. وبدعم من الاتحاد الدولي للشطرنج، ستتضمن هذه الجولة أربع بطولات سنوياً تقام في مدن مختلفة، مع تتويج بطل عالمي عبر ثلاثة أنماط: الكلاسيكي السريع، السريع، والبليتز (الخاطف). وسيبلغ الحد الأدنى لقيمة جوائز كل موسم مليوني جنيه إسترليني (حوالي 2.7 مليون دولار). وفي هذا السياق، صرح أركادي دفوركوفيتش، رئيس الاتحاد الدولي: “إن رؤية رياضي عالمي المستوى مثل هالاند ينضم إلى جولة بطولة العالم للشطرنج يشكل إشارة قوية على الاهتمام العالمي والأهمية الثقافية التي يتمتع بها الشطرنج اليوم”.
أبطال الملاعب على رقعة الشطرنج
إلى جانب هالاند، يبرز محمد صلاح كأحد أشد المولعين باللعبة. قائد “الفراعنة” مهووس بممارسة شطرنج “بليتز” السريع على الإنترنت دون الكشف عن هويته الحقيقية للمنافسين، حيث صرح النجم المصري قائلاً: “أنا مدمن على الشطرنج. كل يوم، حرفياً كل يوم ألعب”. وتضم قائمة العشاق أيضاً الإنجليزيين هاري كاين، وترينت ألكسندر-أرنولد، وأنتوني غوردون. يُعرف عن ألكسندر-أرنولد أنه يلعب كثيراً مع إخوته، وقد خاض ذات مرة مواجهة ودية مع بطل العالم النرويجي ماغنوس كارلسن، الذي هزمه في 17 نقلة فقط خلال خمس دقائق. كما يحمل الجناح الأميركي لميلان الإيطالي، كريستيان بوليسيتش، وشماً على ذراعه لقطعة الملكة تكريماً لجده الذي علمه اللعبة، بينما فاز لاعب وسط أرسنال إيبيريتشي إيزي ببطولة للهواة عام 2025. ولا ننسى شغف الفرنسي أنطوان غريزمان والإسباني داني كارفاخال باللعبة ذاتها.
التأثير العالمي والمحلي لتقاطع الرياضتين
إن ارتباط أسماء لامعة بكرة القدم بلعبة الشطرنج يحمل تأثيراً عميقاً يتجاوز حدود الترفيه. على المستوى المحلي في دول مثل إنجلترا ومصر والنرويج، ألهم هؤلاء النجوم آلاف الأطفال للانضمام إلى أندية الشطرنج المدرسية، مما يعزز من قدراتهم المعرفية والتحليلية. أما على الصعيدين الإقليمي والدولي، فقد ساهم هذا التقاطع في كسر الصورة النمطية الرتيبة التي كانت تلازم الشطرنج كلعبة مقتصرة على النخب الفكرية أو كبار السن. اليوم، أصبحت اللعبة رمزاً للذكاء التكتيكي الذي يتباهى به الرياضيون، مما يفتح أبواباً واسعة لرعايات تجارية جديدة وبث تلفزيوني مشترك يجمع بين جمهور الرياضات البدنية والذهنية.
التكتيك المشترك: السيطرة على الوسط
للوهلة الأولى، قد يبدو الطابع التأملي والعقلي للشطرنج متناقضاً مع الطابع الجسدي والعدواني لكرة القدم، لكن التعمق يكشف عن تشابهات مذهلة. يستهوي الشطرنج المديرين الفنيين الباحثين عن تفوق ذهني في معاركهم التكتيكية على أرض الملعب. وقد نُقل عن بيب غوارديولا، مدرب مانشستر سيتي، في كتاب “بيب كونفيدنشال” قوله: “ليس لديكم فكرة عن مدى تشابه الأمرين”.
يؤكد هالاند هذا المعنى بقوله: “الشطرنج لعبة مذهلة تشحذ الذهن، وهناك تشابهات واضحة مع كرة القدم. عليك التفكير بسرعة، والاعتماد على حدسك، والتفكير في عدة خطوات مسبقاً. الاستراتيجية والتخطيط هما كل شيء”. من جهته، يرى ماغنوس كارلسن، بطل العالم خمس مرات والمشجع المتحمس لريال مدريد، أن لعبته تتشابه مع رؤية غوارديولا، قائلاً: “في الشطرنج وكرة القدم، المهم هو السيطرة على الوسط. إذا سيطرت على الوسط تسيطر على الرقعة أو الملعب. من ناحية المساحات، الأمر متشابه بشكل لافت”.
لكن هل يمكن أن تحلّ متعة إحراز “كش مات” ناجحة محلّ نشوة تسجيل هدف الفوز لدى لاعبي كرة القدم المولعين بالشطرنج؟ بالنسبة لهاري كاين، تبقى كرة القدم هي العشق الأول، فيما يشكّل الشطرنج وسيلة مثالية للاسترخاء، حيث يقول: “أستخدم الشطرنج لأفصل ذهنياً. إنها لعبة ذهنية بحتة. عليك التركيز في كل لحظة”.


