سجلت السوق المالية السعودية تطورات لافتة مع إعلان نتائج الأعمال السنوية، حيث تصدرت خسائر شركة فيبكو (شركة تصنيع مواد التعبئة والتغليف) المشهد الاقتصادي المحلي. فقد تكبدت الشركة خسائر صافية بلغت قيمتها 19.1 مليون ريال سعودي خلال العام المالي 2025، وهو تراجع ملحوظ ومؤثر مقارنة بالأرباح الصافية التي حققتها الشركة في العام المالي 2024 والتي بلغت حينها 0.9 مليون ريال. هذا التحول الدراماتيكي في الأداء المالي يطرح العديد من التساؤلات حول التحديات التي يواجهها قطاع التعبئة والتغليف في المملكة.
السياق التاريخي ومكانة قطاع التعبئة والتغليف
تعتبر شركة تصنيع مواد التعبئة والتغليف “فيبكو” واحدة من الكيانات الصناعية العريقة في المملكة العربية السعودية، حيث تأسست لتلبية الطلب المتزايد على منتجات التعبئة والتغليف المنسوجة عالية الجودة. تاريخياً، لعبت الشركة دوراً حيوياً في دعم القطاعات الصناعية والزراعية واللوجستية من خلال توفير حلول تغليف متطورة. ومع التطور الاقتصادي السريع وانفتاح الأسواق، واجهت الشركات المحلية تحديات تنافسية شرسة، خاصة مع تدفق المنتجات الأجنبية التي أثرت على توازن العرض والطلب المحلي.
الدوافع الرئيسية وراء خسائر شركة فيبكو
أوضحت البيانات الرسمية المنشورة على موقع “تداول السعودية” أن خسائر شركة فيبكو تعود إلى عدة عوامل جوهرية. في مقدمة هذه الأسباب، انخفاض مجمل الربح في الشركة التابعة نتيجة لتراجع حجم المبيعات، وتباين المزيج البيعي، وتذبذب هوامش الربحية. وقد تأثرت الشركة بشكل مباشر ومستمر بممارسات الإغراق التجاري من قبل المنتجات الصينية والكورية التي غزت السوق المحلية بأسعار تنافسية غير عادلة.
إلى جانب ذلك، ارتفعت مصاريف البيع والتسويق بسبب زيادة تكاليف التوظيف وتكثيف مشاركات الشركة التابعة في المعارض التجارية المتخصصة. كما شهدت الشركة ارتفاعاً في مصروفات الشحن، والمصروفات العمومية والإدارية، وذلك إثر تسوية أتعاب مستشار مالي وقانوني مكلف بإجراء دراسة النفي للجهالة لتقييم استحواذ “فيبكو” على حصص الملاك في شركة “بناء للاستثمارات الصناعية القابضة”. علاوة على ذلك، ارتفع مخصص الخسائر الائتمانية المتوقعة تماشياً مع المعيار الدولي رقم (9) بسبب تأخر تحصيل المستحقات من بعض كبار العملاء، فضلاً عن زيادة تكاليف التمويل نتيجة لارتفاع حجم القروض.
التأثير الاقتصادي المتوقع وخطوات التعافي
يحمل هذا التراجع المالي دلالات هامة على المستويين المحلي والإقليمي. فعلى الصعيد المحلي، يسلط الضوء على ضرورة حماية الصناعات الوطنية من الممارسات التجارية غير العادلة لضمان استقرار السوق. ومن المتوقع أن تنحسر هذه الآثار السلبية تدريجياً بفضل الجهود الحثيثة والمتابعة المستمرة مع الجهات الحكومية ذات الصلة لتشديد الرقابة على الواردات. وقد تكللت هذه الجهود بالنجاح بعد فوز الشركة بقضية مكافحة الإغراق، مما أدى إلى فرض رسوم جمركية متفاوتة على واردات تلك الدول لمدة خمس سنوات.
إقليمياً ودولياً، يعكس هذا الحدث التحديات التي تواجه سلاسل الإمداد العالمية وتأثير السياسات التسعيرية للدول المصدرة الكبرى على الأسواق الناشئة. إن قدرة “فيبكو” على تجاوز هذه المرحلة تعتمد بشكل كبير على إعادة هيكلة استراتيجياتها البيعية، وتحسين كفاءة التحصيل، والاستفادة القصوى من الحماية الجمركية المفروضة لتعزيز حصتها السوقية واستعادة توازنها المالي في الفترات القادمة.


