في تطور جديد يلقي بظلاله على أمن البنية التحتية الحيوية في شمال أوروبا، أعلنت السلطات الفنلندية سيطرتها على سفينة تجارية يشتبه في ضلوعها في إلحاق أضرار جسيمة بكابل اتصالات بحري يربط بين العاصمة الفنلندية هلسنكي والعاصمة الإستونية تالين. وقد باشرت الشرطة الفنلندية تحقيقاً جنائياً موسعاً للوقوف على ملابسات الحادث، الذي يُعد الأحدث ضمن سلسلة من الوقائع المقلقة في منطقة بحر البلطيق.
تفاصيل الحادث والتحرك الأمني
أوضحت الشرطة الفنلندية في بيان رسمي أن قوات حرس الحدود تحركت بشكل عاجل لاعتراض السفينة، وذلك عقب بلاغ تلقته من شركة الاتصالات الفنلندية "إليسا أويج" (Elisa Oyj) يفيد برصد عطل مفاجئ وانقطاع في الخدمة عبر الكابل البحري. وكشفت التحقيقات الأولية عن أدلة مادية تشير إلى أن السفينة المشتبه بها قامت بإنزال سلسلة المرساة (الخطاف) في موقع الكابل، مما أدى إلى تضرره. ويأتي هذا التحرك السريع من قبل هلسنكي ليؤكد جدية التعامل مع أي تهديد يمس شبكات الاتصال الدولية.
سياق التوترات في بحر البلطيق
لا يمكن فصل هذا الحادث عن السياق الأمني والجيوسياسي المتوتر الذي يشهده بحر البلطيق في السنوات الأخيرة. فقد تحول هذا الممر المائي، الذي تحيط به روسيا وثماني دول أخرى (معظمها أعضاء في حلف الناتو)، إلى ساحة لمخاوف متزايدة بشأن "التهديدات الهجينة". وتأتي هذه الواقعة لتذكرنا بسلسلة من الحوادث السابقة التي استهدفت البنية التحتية للطاقة والاتصالات، بدءاً من تفجيرات خطوط أنابيب الغاز "نورد ستريم" في عام 2022، وصولاً إلى الأضرار التي لحقت بخط أنابيب "بالتيك كونيكتور" وكابلات بيانات أخرى في عام 2023.
أهمية الكابلات البحرية وتأثير الحادث
تكتسب الكابلات البحرية أهمية استراتيجية قصوى، حيث تنقل الغالبية العظمى من بيانات الإنترنت والاتصالات العالمية. ويشير الخبراء إلى أن تكرار مثل هذه الحوادث، سواء كانت ناتجة عن إهمال ملاحي أو أعمال تخريبية متعمدة، يضع أمن المعلومات والاقتصاد الرقمي للدول الأوروبية في دائرة الخطر. ويدفع هذا الحادث الدول المطلة على البلطيق، وخاصة فنلندا وإستونيا، إلى تعزيز دوريات المراقبة البحرية وتطوير آليات حماية أكثر صرامة لشبكاتها الممتدة في قاع البحر.
ويستمر التحقيق الجنائي الحالي لتحديد ما إذا كان إنزال المرساة مجرد خطأ ملاحي غير مقصود، أم أنه يندرج تحت طائلة الأعمال المتعمدة للإضرار بالبنية التحتية، وهو ما سيحدد طبيعة الإجراءات القانونية والدبلوماسية التي ستتخذها فنلندا في المستقبل القريب.


