تتجه أنظار المستثمرين والاقتصاديين حول العالم صوب واشنطن، حيث تعقد لجنة السوق المفتوحة ببنك الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي اجتماعها المرتقب يومي 9 و10 ديسمبر الجاري. ويأتي هذا الاجتماع في توقيت حرج للغاية للاقتصاد الأمريكي والعالمي، حيث يسعى صناع السياسة النقدية لحسم مسار أسعار الفائدة وتوضيح الرؤية المستقبلية، في ظل انقسام واضح يسيطر على أروقة البنك المركزي.
رهانات الأسواق وتوقعات الخفض
تشير بيانات الأسواق المالية حتى يوم الجمعة 5 ديسمبر، إلى قناعة شبه راسخة لدى المتداولين بأن الفيدرالي سيتخذ خطوة نحو التيسير النقدي. وتضع الأسواق احتمالاً بنسبة تصل إلى 87% بأن يقوم البنك بخفض سعر الفائدة الرئيسي بمقدار ربع نقطة مئوية، ليستقر في نطاق يتراوح بين 3.5% و3.75%. يأتي هذا التوجه مدفوعاً برغبة ملحة في تقديم الدعم لسوق العمل التي أظهرت علامات تعثر مؤخراً، ومحاولة لتجنب ركود اقتصادي محتمل.
معضلة الفيدرالي: بين التضخم وسوق العمل
يواجه الفيدرالي الأمريكي معضلة تاريخية تتمثل في تحقيق التوازن الصعب بين كبح جماح التضخم ودعم النمو الاقتصادي. تاريخياً، يؤدي خفض الفائدة إلى تحفيز الاقتراض والإنفاق، مما ينعش سوق العمل، ولكنه في المقابل قد يشعل فتيل التضخم مجدداً. هذا التوازن الدقيق هو سبب الانقسام الحالي بين أعضاء اللجنة:
- فريق الصقور: يرى ضرورة الإبقاء على الفائدة مرتفعة لفترة أطول لضمان عودة التضخم إلى المستهدف البالغ 2%، محذرين من أن الخفض المبكر قد يضيع المكاسب المحققة.
- فريق الحمائم: يدفع نحو خفض الفائدة لتجنب الإضرار بسوق العمل، مشيرين إلى أن السياسة التشددية المفرطة قد تؤدي إلى فقدان وظائف واسع النطاق.
وقد تجلى هذا الانقسام بوضوح في نتائج التصويت لاجتماع 28-29 أكتوبر، حيث شهدت اللجنة معارضة نادرة للقرار، مما يعكس حالة عدم اليقين التي يكرهها المستثمرون وتؤدي عادة إلى تقلبات حادة في أسواق الأسهم والسندات.
التأثير الاقتصادي المتوقع
لا يقتصر تأثير قرار الفيدرالي على الداخل الأمريكي فحسب، بل يمتد ليشمل الاقتصاد العالمي. خفض أسعار الفائدة عادة ما يؤدي إلى:
- تراجع قيمة الدولار: مما يدعم الصادرات الأمريكية ولكنه قد يرفع تكلفة الواردات.
- انتعاش الأسواق الناشئة: حيث يقلل من تكلفة خدمة الديون المقومة بالدولار.
- ارتفاع أسعار السلع: مثل الذهب والنفط التي ترتبط بعلاقة عكسية مع الدولار.
نظرة مستقبلية: ماذا بعد 2025؟
بينما يبدو خفض ديسمبر شبه مؤكد، فإن الرؤية لعام 2026 لا تزال ضبابية. وفقاً لتحليلات مركز أبحاث "جولدمان ساكس"، من المتوقع أن يتبنى صناع السياسات وتيرة أبطأ في التيسير النقدي خلال النصف الأول من العام المقبل، تزامناً مع تسارع النمو الاقتصادي وتباطؤ التضخم.
ويتوقع البنك الاستثماري أن يتسارع نمو الاقتصاد الأمريكي ليحقق معدلات بين 2% و2.5% في عام 2026، مدعوماً بتخفيضات ضريبية محتملة وتيسير الظروف المالية. وتشير التقديرات إلى أن الفيدرالي قد يوقف دورة التخفيض مؤقتاً في يناير 2026، قبل استئنافها في مارس ويونيو، ليصل سعر الفائدة النهائي إلى مستوى يتراوح بين 3% و3.25%، وهو مستوى يعتبر محايداً نسبياً مقارنة بالمستويات الحالية.


