أقر المركز السعودي لكفاءة الطاقة الموافقة على توصية اللجنة التنفيذية باعتماد تحديث المعيار الوطني لتطبيق تقنية تبريد المناطق في المشاريع الحكومية. تأتي هذه الخطوة الاستراتيجية بهدف رفع كفاءة استخدام الطاقة في المنشآت الجديدة، وتعزيز تطبيق حلول التبريد المركزي وفق معايير فنية وتنظيمية دقيقة تضمن الاستدامة. وتضمن التحديث الجديد وضع اشتراطات ومعايير محددة لاستخدام هذه التقنية المتقدمة عند مرحلة التصميم، حيث نصت التوجيهات على أن يكون المشروع جديداً، مما يضمن دمج التقنية منذ المراحل الأولى للتخطيط والتنفيذ، وهو ما ينعكس إيجاباً على الأداء العام للمباني وتقليل تكاليف التشغيل على المدى الطويل.
التحول نحو الاستدامة: خلفية تطبيق تبريد المناطق في المشاريع الحكومية
تاريخياً، شهدت المملكة العربية السعودية ودول منطقة الخليج العربي نمواً عمرانياً متسارعاً ترافق مع ارتفاع كبير في درجات الحرارة خلال فصل الصيف، مما أدى إلى استهلاك معدلات هائلة من الطاقة الكهربائية لأغراض التكييف التقليدي. وفي إطار رؤية السعودية 2030، برزت الحاجة الماسة للتحول نحو حلول أكثر استدامة. تقنية تبريد المناطق ليست وليدة اللحظة، بل هي نظام معتمد عالمياً يعتمد على إنتاج المياه المبردة في محطات مركزية وتوزيعها عبر شبكة أنابيب معزولة تحت الأرض لتبريد مباني متعددة. وقد أثبتت هذه التقنية نجاحها في تقليل استهلاك الكهرباء بنسب تصل إلى 50% مقارنة بالأنظمة التقليدية، مما جعل اعتماد تبريد المناطق في المشاريع الحكومية خطوة حتمية لمواكبة التطور العمراني وتقليل البصمة الكربونية.
معايير الأحمال العالية والكثافة العمرانية
لضمان تحقيق أقصى استفادة من هذه الأنظمة، اشترطت المعايير المحدثة أن يتجاوز الطلب على التبريد في المشروع (15,000) طن تبريد. هذا الرقم يعكس استهداف المشاريع الكبرى ذات الأحمال العالية التي يمكن أن تحقق فيها هذه التقنية كفاءة تشغيلية واقتصادية أعلى بكثير مقارنة بالأنظمة الفردية. وفيما يتعلق بالموقع، ألزمت الاشتراطات أن تكون المنطقة التي يُقام فيها المشروع ذات كثافة عمرانية مرتفعة، بحيث يتجاوز معامل البناء (1.5). هذا المؤشر يشير إلى ارتفاع إجمالي المسطحات المبنية مقارنة بمساحة الأرض، بما يدعم الجدوى الاقتصادية والفنية لتطبيق أنظمة التبريد المركزي ويقلل من الهدر في البنية التحتية.
إدارة الموارد المائية في أنظمة التبريد المركزي
شملت التحديثات أيضاً اشتراطات صارمة وخاصة بتوفير مصادر المياه، حيث أكدت على ضرورة توفر مياه معالجة بكميات كافية في موقع المشروع، نظراً لدورها الأساسي والمحوري في تشغيل محطات التبريد. وفي حال تعذر توفير المياه المعالجة، أجاز التحديث استخدام مصادر مياه أخرى، ولكن بشريطة الحصول على التراخيص اللازمة من وزارة البيئة والمياه والزراعة. إلى جانب ذلك، تم التأكيد على الالتزام بإصدار التراخيص النظامية الخاصة باستخدام المياه المعالجة من الهيئة السعودية للمياه عند الاعتماد عليها، مما يضمن الحفاظ على الموارد المائية الطبيعية للمملكة وتوجيهها بشكل سليم.
الأبعاد الاقتصادية والبيئية لتحديث المعايير الوطنية
يحمل هذا التحديث أبعاداً وتأثيرات واسعة النطاق على عدة مستويات. محلياً، سيساهم تطبيق هذه المعايير في تخفيف العبء عن الشبكة الوطنية للكهرباء، خاصة في أوقات الذروة الصيفية، مما يوفر مليارات الريالات من تكاليف إنتاج الطاقة. إقليمياً، يعزز هذا التوجه مكانة المملكة كدولة رائدة في تبني تقنيات كفاءة الطاقة وإدارة الموارد في الشرق الأوسط، ويشجع الدول المجاورة على تبني سياسات مشابهة. أما على الصعيد الدولي، فإن هذه الخطوة تترجم التزام المملكة بالاتفاقيات البيئية العالمية الرامية إلى الحد من الانبعاثات الغازية ومكافحة التغير المناخي، مما يجعل قطاع الإنشاءات الحكومي نموذجاً يُحتذى به في التنمية المستدامة والمباني الخضراء.


