أكدت رئيسة وزراء الدنمارك، ميته فريدريكسن، أن إقليم جرينلاند، المتمتع بالحكم الذاتي ضمن المملكة الدنماركية، يواجه لحظة تاريخية فارقة في ظل تجدد المساعي الأمريكية بقيادة الرئيس دونالد ترامب لضم الجزيرة القطبية. وجاءت تصريحات فريدريكسن لتسلط الضوء على عمق الأزمة الدبلوماسية التي قد تتجاوز مجرد صفقة عقارية دولية لتصل إلى تهديد التحالفات الغربية الراسخة.
وقالت فريدريكسن خلال نقاش محتدم مع قادة الأحزاب الدنماركية: “نحن أمام نزاع حقيقي وقائم بشأن جرينلاند، إنها لحظة حاسمة تتجاوز ما هو ظاهر للعيان، وتمس جوهر السيادة الوطنية”. وأضافت في رسالة موجهة للرأي العام عبر منصات التواصل الاجتماعي: “الدنمارك حليف وفيّ وثابت، ونحن نجري حالياً عملية إعادة تسلح واسعة النطاق لتعزيز قدراتنا الدفاعية، ومستعدون للدفاع عن قيمنا وسيادتنا أينما اقتضت الضرورة، بما في ذلك في منطقة القطب الشمالي الحيوية”.
الأهمية الاستراتيجية والثروات الكامنة
لفهم إصرار ترامب على هذه الخطوة، يجب النظر إلى ما هو أبعد من المساحة الجغرافية. تعد جرينلاند موقعاً استراتيجياً حيوياً للأمن القومي الأمريكي، خاصة مع وجود قاعدة “ثول” الجوية الأمريكية في شمال الجزيرة، والتي تعد حجر زاوية في نظام الإنذار المبكر الصاروخي. بالإضافة إلى ذلك، ومع ذوبان الجليد في القطب الشمالي، تبرز الجزيرة كمركز محتمل لطرق الشحن الجديدة ومخزون هائل من الموارد الطبيعية غير المستغلة، بما في ذلك المعادن الأرضية النادرة التي تعتبر ضرورية للصناعات التكنولوجية الحديثة، وهو ما يفسر القلق الأمريكي من التمدد الصيني والروسي في تلك المنطقة.
خلفية تاريخية: ليست المحاولة الأولى
من الجدير بالذكر أن اهتمام الولايات المتحدة بجرينلاند ليس وليد اللحظة ولا يقتصر على حقبة ترامب. ففي عام 1946، عرض الرئيس الأمريكي هاري ترومان على الدنمارك مبلغ 100 مليون دولار من الذهب لشراء الجزيرة، نظراً لأهميتها الجيوسياسية خلال الحرب الباردة، لكن العرض قوبل بالرفض. كما سبق للولايات المتحدة أن اشترت جزر الهند الغربية الدنماركية (جزر العذراء الأمريكية حالياً) في عام 1917، مما يجعل فكرة الشراء حاضرة في العقلية الاستراتيجية الأمريكية، وإن كانت الظروف الدولية اليوم أكثر تعقيداً.
مستقبل حلف الناتو على المحك
حذرت فريدريكسن من أن أي تصعيد أمريكي عدائي ضد عضو في حلف شمال الأطلسي (ناتو) قد يعني “نهاية كل شيء”، مشيرة إلى انهيار نظام الأمن الجماعي القائم منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. ويأتي هذا في وقت ألمح فيه ترامب في مقابلة مع صحيفة نيويورك تايمز إلى أنه قد يضطر للمفاضلة بين الحفاظ على وحدة الناتو أو السيطرة على الإقليم الدنماركي، مما يضع التحالف الغربي أمام اختبار وجودي غير مسبوق.
رفض شعبي قاطع
على الصعيد الشعبي، يواجه الطموح الأمريكي رفضاً واسعاً من سكان الجزيرة الأصليين. ووفقاً لاستطلاع رأي حديث نشرته صحيفة “سيرميتسياك” المحلية في يناير 2025، أعرب 85% من سكان جرينلاند عن رفضهم القاطع للانضمام للولايات المتحدة، متمسكين بهويتهم وحقهم في تقرير المصير، بينما لم تتجاوز نسبة المؤيدين 6% فقط، مما يعزز موقف الحكومة الدنماركية في الدفاع عن وحدة أراضيها.


