استأنفت العقود الآجلة للنحاس مسارها الصعودي بقوة خلال تعاملات اليوم، مستفيدة من جملة من العوامل الاقتصادية والجيوسياسية، أبرزها تراجع مؤشر الدولار الأمريكي، مما جعل السلع المقومة بالعملة الخضراء أكثر جاذبية للمشترين حائزي العملات الأخرى. وتزامن هذا الانتعاش مع بيانات إيجابية قادمة من الصين، أكبر مستهلك للمعادن في العالم، حيث حقق الاقتصاد الصيني معدلات نمو تتماشى مع المستهدفات الحكومية، مما بدد بعض المخاوف بشأن تباطؤ الطلب الصناعي في التنين الآسيوي.
وفي تفاصيل التداولات ببورصة لندن للمعادن، سجل سعر النحاس ارتفاعاً بنسبة 1.3% ليصل إلى مستوى قياسي بلغ 12,965 دولاراً للطن. ولم يقتصر الصعود على المعدن الأحمر فحسب، بل شمل سلة واسعة من المعادن الصناعية، حيث قفز سعر النيكل بنسبة 2.6%، وزاد سعر القصدير بنسبة 2.8%، بينما سجل الألومنيوم صعوداً بنسبة 0.8%، مما يعكس حالة من التفاؤل العام في أسواق السلع الأساسية.
ويكتسب هذا الارتفاع أهمية خاصة بالنظر إلى السياق الزمني، حيث شهد النحاس موجة صعود قوية استمرت على مدى خمسة أشهر متتالية. ويعزو المحللون هذا الزخم المستمر إلى تحولات هيكلية في الاقتصاد العالمي، أبرزها طفرة الذكاء الاصطناعي (AI). وتتطلب مراكز البيانات والخوادم العملاقة التي تشغل تقنيات الذكاء الاصطناعي كميات هائلة من الطاقة، مما يستدعي تحديثات واسعة في شبكات الكهرباء والأسلاك، وهو ما يضع النحاس في قلب هذه الثورة التقنية بصفته الموصل الأفضل والأكثر كفاءة.
علاوة على ذلك، يلعب التحول العالمي نحو الطاقة النظيفة دوراً محورياً في تعزيز الطلب؛ فصناعة السيارات الكهربائية، ومحطات الطاقة الشمسية، وتوربينات الرياح تستهلك أضعاف كميات النحاس المستخدمة في الصناعات التقليدية. وفي المقابل، تواجه الأسواق نقصاً ملموساً في الإمدادات نتيجة تراجع جودة الخامات في المناجم القديمة وقلة الاكتشافات الجديدة الكبرى، مما يخلق فجوة بين العرض والطلب تدفع الأسعار نحو مستويات تاريخية.
كما ساهمت عمليات الشراء الاستراتيجية والمكثفة للمعادن في الصين خلال الأسابيع الأخيرة في تقديم دعم إضافي للأسعار، حيث تسعى بكين لتأمين مخزونات استراتيجية لدعم قطاعاتها الصناعية والتكنولوجية، مما يؤكد النظرة المستقبلية الإيجابية للمعادن الصناعية كأصول استثمارية ومواد أولية لا غنى عنها في اقتصاد المستقبل.


